حديث إلى – حديث الشرايين –


«حديث الشرايين» عنوان شجي لكتاب حزين، يحكي قصة إنسانية أبطالها الوالدان والابن الوحيد الفقيد، والبنات، والأوفياء من الأقارب والأصدقاء!

أما المؤلف فهو صاحب القلم الإعلامي الناعم، سعادة د. عبدالرحمن بن صالح الشبيلي، ذلك الرجل الذي يغني تاريخه التلفزيوني ونشاطه الإعلامي، وإنتاجه الأدبي، وتواجده الاجتماعي، وقلمه السيَّال، عن التعريف بسيرته وشخصيته.. يحكي هذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في مضمونه قصة إنسانية واقعية دارت مشاهدها في محيط أسرة سعودية عربية مسلمة، قصة بدأت في منزل المؤلف، ثم اتسعت دائرتها لتتخطى حدود الوطن وحدود القارة إلى أوروبا وأمريكا، لتكتب فصلها الأخير في مدينة باريس!

بحكم الزمالة والصداقة وحرفة الكتابة والتأليف في التاريخ المحلي؛ فقد قرأت معظم مؤلفات د. عبدالرحمن الشبيلي إن لم يكن كلها؛ إلاَّ أن كثرة المشاغل كانت تحول دون أن أكتب عن أي منها، لكن «حديث الشرايين» كان له وقع خاص في نفسي لأنه كتاب يرصد خلجات والد مكلوم، يكتب وعينه على فلذة كبده الوحيد الذي يقبع تحت أجهزة العناية الطبية الفائقة ويد المنون تتخطفه بين عشية وضحاها!

عندما تكون الكتابة من قلب يعتصره الألم، وتختلط فيه مشاعر اليأس والرجاء، وعندما يكون الوصف من عمق المعاناة، تكون المشاعر أكثر مصداقية وأبلغ تأثيراً.. وفي مثل تلك الظروف يستعيد الإنسان شريط الماضي بتجرد من الأنانية، ويحاسب نفسه حساباً صارماً دون تنميق للأفعال أو تبرير للأخطاء.. وهذا ما سلكه د. الشبيلي في «حديث الشرايين» وهو يعرض شريط حياة ابنه طلال؛ فقد ربط بين مشاعر الإحساس بالتقصير في متابعة الأولاد، والفشل في السيطرة على سلوكياتهم، وبين معاناة الأسرة لسنوات طويلة وهي تبحث عن مخرج لمشكلة شرايين الابن، وتتابع حالته الصحية المتهاوية يوماً بعد الآخر! تناول هذا الكتاب أكثر من كاتب، ولن أكون آخرهم؛ ولكني أود أن أقول: هَوِّن عليك أيها العزيز، فبلوغ الكمال من المحال، وإدارة السلوك الفردي ليست مما يمكن السيطرة عليه لأنها لا تخضع لمقاييس معينة، وما أدراك أنك لو سلكت غير ما سلكت لما حدث ما حدث.. ولا يعني هذا أن نغفل عن أبنائنا وبناتنا، وأن نترك الحبل على الغارب، ولكني أعني أن نجتهد، مع اليقين بأن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى، فهذا نوح وهو نبي من أولي العزم من الرسل لم يستطع أن يحول بين ابنه وبين الغرق!

وفي الختام؛ فلا أنسى أن أشير إلى أن محنة د. الشبيلي كشفت لنا جوانب أخرى عن أسرته وشخصيته، فقد ضربت الأسرة مثالاً رائعاً في الصبر والتعاون والتآزر، وهذا لا يستغرب من أسرة مسلمة عريقة مثل أسرة الشبيلي. أما على المستوى الشخصي، فقد أفصحت عن قوة تحمله وصبره؛ فقد كان محافظاً على هدوئه وابتسامته منذ عرفناه، حتى أن الكثير من أصدقائه – وأنا أحدهم – لم نشعر بمعاناته حتى في الأيام الأخيرة، فلم يكن يظهر شيئاً من الجزع أو التشكي، وهذه هي صفات كرام الرجال وخصالهم الحميدة. ومن ناحية أخرى؛ فإن بَوح الصديق د. الشبيلي، أشعرنا نحن بشي ء من تأنيب الضمير لغفلتنا عنه وعن ظروفه، وسط مشاغلنا وأشغالنا، واكتفائنا في كل لقاء بعبارة: «كيف حالك؟» و»كيف الأسرة؟» ثم اكتفاؤنا بإجابة المسؤول: «بخير والحمد الله!».

فما أحوجنا إلى تفقد أحوال أصدقائنا وأقاربنا إلى الحد الذي يسمح به الدين والعرف من الخصوصيات، من أجل تقديم العون أو المشورة، أو لتقدير ظروف الصديق على الأقل. وكما قال الشاعر:

ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ

يواسيك أو يُسْلِيك أو يتوَجَّعُ

فائز بن موسى البدراني - جريدة الجزيرة - 7 فبراير 2013