عبدالرحمن الشبيلي انسانا


يقول الأديب أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة:

بعض الأشخاص تحتار حينما تتحدث عنهم لأنك لا تجد ما تقوله وبعض الأشخاص تحتار عند الحديث عنهم لكثرة ما لديك عنه.

المرحوم الغالي عبدالرحمن بن صالح الشبيلي -رحمه الله- من الصنف الثاني.

تملكتني الحيرة حينما أردت الحديث عنه.. هل أتناول قدراته الإدارية أو عطاءاته الثقافية أو خبراته الإعلامية أو إسهاماته الشورية أو جوانبه الإنسانية وقد اخترت الأخيرة «الشبيلي إنساناً» لأقف على بعض ضفافه، الإنسان بحياته وبخطابه وبتعامله.

مفتاح شخصيته

إذا كان لكل إنسان مفتاح لشخصيته فإن مفتاح شخصيته هو «الحس الإنساني» -رحمه الله-..

سأتناول بعض صفاته المضيئة متكئاً على الاستشهاد بمواقف فهي الأوقع بالنفس فهي ليست كلمات ثناء مني فقط ولكنها وقائع تفيض أريحية وخيراً و أبدأ بـ:

الحنان الذي أسبغه على أسرته:

ذلك هو تاج صفاته أباً وجداً..

لقد كان يغدق على أسرته أمطاراً من جداول الحنان وبخاصة أحفاده وأسباطه؛ ولن أتطرق لكل ما أمطرهم به لكن فقط سأشير لذلك الحنان الذي استوطن قلبه نحو أولاد ابنه الوحيد طلال الذي سبقه إلى -رحمة الله-.

لقد روت لي ابنته العزيزة أ/ شادن أم بدر أنه منذ توفي طلال ووالدها لا ينام إلا وابنتا طلال عن يمينه ويساره يتحدث معهما ويؤنسهما ويبقى معهما، وهما تطالعان الآيباد فإذا أسكن النوم عينيهما سكنت نفسه -رحمه الله- وذهب لينام،

لكأن الشاعر الكبير بدوي الجبل يعنيه، عندما قال في واحدة من أجمل قصائده عن الطفولة التي وجهها لحفيده محمد.

«ينام على أشواق قلبي بمهده

حريراً من الوشي اليماني مذهبا

وأسدل أجفاني غطاء يظلّه

ويا ليتها كانت أحنّ وأحدبا

وإن ناله سقم تمنيت أنني

فداء له، كنت السقيم المعذبا

ويا رب من أجل الطفولة كلها

أفض بركات السلم شرقاً ومغربا»

وليس هذا فقط هو الحنان الذي أغدقه على أحفاد ابنها..

كان بذهب بهما إلى المدرسة بنفسه وكانت قمة سعادته عندما يلتقي بأحفاده وأسباطه ببيته وبكل أفراد أسرته بكثير من الأوقات فبيته بيت للجميع..

وبيوم الخميس كان يعتذر عن أيّ موعد ولو اضطر للسفر كما قالت ابنته أ/ شادن كان يعود يوم الخميس ليحضر ذلك اليوم معهم ثم يرجع لسفره مرة ثانية.

وكان حفيده عبدالرحمن بن طلال ملازماً له يحضر معه كثيراً من المناسبات والزيارات..

وأذكر أن الأديب أ/ عبدالعزيز الخريف الذي اشتهر بحب الكتب وإهدائها دعاه ودعاني لزيارته في مدينة حريملاء بأحد أيام الجمع واتفقنا بالذهاب إليه واتصلت بـ أ/ عبدالعزيز وأفدته بأننا سنأتي له ظهر الجمعة ثم اتصلت بأبي طلال مفيداً أنني سأمر عليه بسيارتي في العاشرة والنصف ضحى الجمعة لنصلي هناك بحريملاء وقبل أن أنهي مكالمتي معه قال سيذهب ضيف معنا فقلت مرحباً وسيرحب مضيفنا به ثم قلت له من هذا الضيف العزيز؟..

فقال لي بلطف: مفاجأة وتراه إذا جئت غداً، فلما ذهبت إليه إذا بالضيف حفيده عبدالرحمن بن طلال وكان عمره وقتها بحدود 8 سنوات.

هو وصنع المعروف:

لقد عُرف عنه تطويق أعناق الآخرين بالمعروف وصنع الجميل للكثيرين وبخاصة تجاه ذوي الحاجة أو كرماء مرواً بضائقة مالية.

أذكر لقد كان فاضلاً من زملاء الحرف مر بظرف مادي صعب.

وكان حياؤه وكرامته تأبيان عليه أن يبوح بذلك لأحد وقد علمت عن وضعه من جار عزيز له..

وفكرت بمن أتواصل معه فكان أبو طلال أحدهم وعندما هاتفته تأثر كثيراً ورأينا أن نجمع له الدين الذي عليه ونبدأ بأنفسنا واتفقنا على التواصل مع رجلين فاضلين أنعم الله عليهما.. واتصل هو بأحدهما واتصلت أنا بالثاني وكانا عند جميل الظن بهما وخلال يومين اكتمل مبلع الدين واقترح هو بفرط إحساسه وإنسانيته أن لا نشعر ذلك العزيز الذي يمر بالضائقة بأن المبلغ منا وعن طريقنا حفاظاً على كرامته وفعلاً اتصلت بجاره واستحسن الفكرة وحولنا المبلغ لجاره رحمك الله يا أبا طلال:

وليس سوى صنع الجميل فضيلة

وليس سوى الذكرى تظل وتخصب

سكب الفرح بقلوب الآخرين

يدرك كل من عاشره أو صادقه أنه إنسان يحب أن يشيع السرور وينثر المحبة والفرح بأفئدة الآخرين رغم ما يكتنزه قلبه من أشجان..

لكن كان إسعاد الآخرين هو ترياق روحه الطاهرة..

وأجزم أيها الأوفياء والوفيّات أن لدى كثير منكم مشاهد من «سخاء نفسه».

ولي معه موقف فيه أذكر هنا عندما شرفت بعضوية فيه فيض محبة وفائض سرور..

عندما شرفت بعضوية مجلس الشورى كان الوحيد من غير بعض أقاربي الذي لم أتلق منه تهنئة عبر اتصال أو رسالة، بل بزيارة..

فقد اتصل بي -رحمه الله- بعد صلاة العصر بعد صدور الأمر الملكي بالليلة الماضية.. وقال بودي أشرب الشاي معك إذا كنت بالبيت وكان منزلي قريباً من منزله فرحبت به ولم أدر لماذا واستبعدت أنها للتهنئة ومما خطر لي بعد اتصاله خاطر لطيف وغريب قلت «عسى ما فيه خطأ باسمي وأن المقصود بالأمر الملكي غيري وليس أنا.. وأنه -رحمه الله- علم أو أُعلم بذلك ليبلغني وهو عضو بمجلس الشورى قبلي..

وبعد صلاة العصر سمعت جرس الباب وإذا هو الحبيب يدخل، وبعد الجلوس هنأني بالعضوية بفرح غامر.. وعندما قلت له: كان يكفى اتصال جميل منك.. فقال بلطفه المعهود: أنا كنت سأذهب لموعد صديق قريب من بيتك فأردت أن أمر عليك وهو أراد بهذا العذر فقط أن يقلص من حرجي، ثم أكرمني بحديث مختصر عن عضويته بالمجلس واستحقاقاتها وكيف يستطيع الإنسان أن يسهم بخدمة وطنه عن طريقها -رحمه الله-.

لقد كان سنام فرحه هذا المثل العربي القديم «إذا رششت العطر على غيرك فلابد أن يصيبك قطرات منه»

هذا هو عبدالرحمن الشبيلي سرور غيره هو عطر قلبه.

التوازن بحياته إنساناً وإنجازاً:

لقد اشتهر «رحمه الله» بتنظيم وقته بشكل عجيب، فلا يطغى جانب على جانب..

فقد غمر أسرته كما أشرت سابقاً بكل أنهار الحنان وجداول العطاء وتدفق تدفق هذا العطاء إلى الآخرين فنجده يقوم بالواجبات الاجتماعية من عزاء يواسي به، وبتهنئة ينثرها عبقها بوجدان من يهنئه..

فضلاً عن زياراته لغيره وزيارات الأحبة له، وجمعه لهم في دارته العامرة بترحيبه وبشاشته..

كما نجده حاضراً بالمنتديات.. ونأنس به محاضراً بالملتقيات الثقافية والإعلامية.

ومع كل هذه الالتزامات أصدر حوالي (50) كتاباً وبحثاً.. لقد طبق معادلة الحديث الشريف: «إن لربك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً فأعط كل ذي حقٍّ حقه».

ترى هل هو إدارة الوقت عنده أم هو حسن توظيفه أو هو بركة الوقت، كما كان يقول الدكتور عبدالعزيز الخويطر -رحمه الله- حينما يسأل: كيف ألف 47 كتاباً بعضها يصل أجزاؤها لـ30 جزءاً.

فضيلة العفو التسامح

النفوس الكبيرة هي التي تنطلق بفضاءات التسامح ومفازات العفو مدركة أن كريم القوم من لا يحمل الحقد..

لقد كان يحمل خافقاً يفيض بالنقاء ونسيان الإساءة، بل وقد استبدلها بالذي هو خير.

روى لي أخ عزيز في مجلس عزائه موقفاً عاشه مع الراحل يقول: كنت أعمل معه عندما كان بوزارة التعليم العالي واختلفت معه عندما كلفني بعمل لم يناسبني، فكتبت له رسالة «غير لائقة»، ندمت عليها فيما بعد، لكنه «رحمه الله» لم يغضب، بل ودعني وأنا أغادر مكتبه ودعا لي بالتوفيق.

ويضيف: هذا أمر بسيط ثم بعد فترة استقلت من الوزارة للعمل بشركة، وفعلاً عملت بها ثم بعد سنتين صفت هذه الشركة أعمالها لخسارتها وكنت مع عدد من موظفيها بالشارع.

وعلم زميل سابق لي بالوزارة وأخبر د/ عبدالرحمن وفوجئت بعد يومين بالزميل يفيدني بزيارتي للوكيل الشبيلي ومن الغد ذهبت إليه أمشي على استحياء ولما دخلت عليه رحب بي وأفادني بعلمه عن وضعي حالياً وتحدثنا عن ذلك وإذا به يكتب توصية وتزكية لمسؤول بإحدى الشركات كان على ما يبدو تفاهم معه من قبل، ووالله بكيت.. كيف أرسلت له تلك الرسالة وكيف خرجت من عنده مغاضباً ثم كيف هو يعفو ويسامح بل يزكي ويساعد..!..

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم

ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا

وأخيراً هو شيمة الصبر

كان صبره عجيباً على كل ما مرّ عليه من مرض ابنه الوحيد ثم رحيله ثم صبره على داء قلبه وإجراء عملية لأربعة شرايين بقلبه وتحمله كثيراً من مصائب الدنيا مع كثير من الأعباء والمسؤوليات لأفراد أسرته وأصدقائه وجيرانه،

«ملحمة الصبر».. روى بعض فصولها في كتابه عن ابنه طلال الذي لا تملك أن تفر من عينيك الدمعات وأنت تقرؤه وقد كان هو يحجُر على جمرات دموعه بمحاجره خشية أن تفيض بها عيناه، لكي لا يؤلم أسرته وأحبابه، وإن تناثرت هذه الدموع نزفاً وجراحاً بين أروقة ذاته.

وفي كتابه الأخير»مشيناها» الذي عنوانُه يشي بالألم كشف فيه على خجل بعض معاناته بأعماله وبحياته لكن كانت خطىً لا بدّ أن يمشيها وإن جرحته أشواك دروبها، فهو يسكن قلبه يقين أن الحياة قصيرة فلجأ إلى جبل الصبر ليعصمه من منغصات الحياة ومزالق الطريق.

أسأل الله أن يجزيه جزاء الصابرين الذي ينطبق عليهم قول الرحمن {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)} سورة الرعد 23- 24.

دمعة الوداع

أودع حديثي عنه بهذه القطرات المتناهية حزناً ووفاء من صديقه وصديقنا الشاعر اللواء عبدالقادر كمال:

مازلتَ يا رجُلَ المُروءةِ حيَّا،

في قلبِ صحْبِكَ بُكْرةً وعَشِيَّا

يا صابراً، والصّبْرُ فيكَ طبيعةٌ،

وسَمَوْتَ في قَدَرِ الإلهِ عَلِيَّا

سَجّلْتَ في مَسْراكَ أسْمَى سِيرةٍ،

ولَقيتَ ربَّكَ راضِياً مرْضِيَّا.

يا سيّدي والحُبُّ أنْطَقَ خافقي،

فسكَبْتُ حرْفي بالشِّعورِ نَدِيَّا

وبعد:

أيها الراحل الغالي.. أيها الصديق الرحيق.. طبت حياً وميتاً..

وسلام عليكم من ربٍّ غفور رحيم

حمد القاضي - جريدة الجزيرة - 7/9/2019