عبدالرحمن الشبيلي كبير يستحق التقدير


كلما رأيته بالتلفاز أو سمعته عبر المذياع أو قابلته في الحياة أشعر أنه يحمل بداخله هماً كبيراً حول عدة مسائل أبرزها الإعلام والتعليم والشورى والإصلاح الإداري وهو الذي عاصر بعض هذه الأجهزة عن قرب، يريد الإصلاح ما استطاع ويرغب في الخير أنى اتجه كأنه المعني بقول الشاعر:

فتراه بالإصلاح مغرى كلما
وجد السبيل إلى صلاح سارا
حتى كأن عليه عهداً للعلا
أن يصلح الأخلاق والأفكارا

أبو طلال عرفته وهو شاب مندفع للعلم والدرس قدم من عنيزة وحل بدار عمه المرحوم محمد بن عبدالرحمن الشبيلي (الملقب بالخال) في ضاحية الملز يوم كان الملز ضاحية والرياض بلدة والناس ناس وما بهم من باس، أقول قدم علينا من عنيزة الفيحاء للدراسة العليا بالرياض، وأذكر أن والده المرحوم العم صالح حل بالرياض زائراً ومتفقداً لدراسة ابنه فدعاه والدي – رحم الله الجميع – للقهوة، كنت أصبها لهما وأسمع تحاورهما حول تاريخ بعض البيوتات والأسر في عنيزة وتفرق بعضها تحت أسماء أُخر.
رأيت عبدالرحمن عدة مرات وهو يختلف إلى الدرس يتردد على الكلية ودار الإذاعة القديمة بشارع الفرزدق يجمع بين الدراسة والعمل والتمرين، كان من أوائل من التحق بالعمل فيها والتدرب عليها ثم تقدمت به الحياة وتدرجت به الأعمال ترقى سلالمها وصعد درجاتها فأصبح وكيل وزارة التعليم العالي وقبلها عميداً بالجامعة وقبلهما مسؤولاً بارزاً في الإعلام، كان بين ذلك ينشر في الصحف ويخرج الكتب يؤرخ للخالدين وكبار الشخصيات من الراحلين، اطلعت على طائفة صالحة من منشوراته واجتمع عندي عدد من مؤلفاته (إهداء منه وفضل) تصفحت أكثرها وتأملت بعضها ووقفت عند ريادته للإعلام وعمادته للتعليم وكيف بشر في أوائل مقالاته بنهضة الإعلام ثم أنذر في أواخر أطروحاته بتدارك التعليم، كتب حول كثرة المؤتمرات والصرف عليها بلا نتيجة تذكر أو فائدة تذخر، دعا مبكراً للاهتمام بالسياحة وأنها عامل اقتصادي هام لأن موادها الأولية لا تحتاج الاستيراد ومنتجاتها لا تتعبنا بالتصدير وهكذا العشرات من الأفكار الجيدة والطروحات الرائدة، ألم أقل لكم من قبل إنه رائد لا يكذب أهله وسابق لا يدرك شوطه وسابغ في طول تجاربه وممارساته.
لا أدري لماذا تأخرت في الكتابة عن هذا الرجل العلم وأنا الذي عرفته منذ القدم رأيت بداياته عن قرب وراقبت نجاحاته عن بعد، أكتب هذه الكلمة بعد عودتي من سفر طال طويت فيه بساط الريح بين المشرق والمغرب، طوفت فيه بلدان وجست خلاله دياراً ثم ألقيت عصا التسيار بداري في ضاحية الهدا بمحافظة الطائف انفض الغبار من وعثاء السفر وأمسح الأغبرة عن محتويات مكتبتي والأسفار التي فيها. يا الله هكذا تفاجئني كتب أستاذنا (أبو طلال) تطل عليّ تتقدمها موسوعته الضخمة عن الرجل العظيم الذي وسع فضله الرجال والأجيال إنه حاتم عصره وباقعة زمانه العم بل الوالد المرحوم الشيخ محمد الحمد الشبيلي (أبو سليمان) وحسبك به عنوان.
ذلك الرجل الذي طبقت شهرته الآفاق وسارت بذكره الركبان وأصبحت سيرته طغراء وشامة في وجه الزمان، كان من حسن فألي أن حظيت برؤيته وسعدت بمعرفته وتشرفت بصحبته:

سعدت أعين رأتك وقرت
والعيون التي رأت من رآك

ومن شاء المزيد عنه فليراجع السفر النفيس عن الشخصية التي جمعت كل النفائس وأجمعت على حبها كل النفوس.
أكتب هذه الكلمة وأمامي مؤلفات أبي طلال القيمة، أتعجب كيف لم تجد من يأخذ ويتبنى بعض ما فيها من جيد الأفكار وحسن المشورة وجميل التوجيه، هذه كلمة لا أدري لماذا ظلت تلح عليّ في الخروج عن هذا الرجل الإنسان الذي يستحق التكريم من المجتمع والدولة بل من جل أحبابه وكل طلابه، وكما قلت سلفاً أشعر كلما رأيته أو قرأت له أنني أحد الملامين في حقه علينا جميعاً.
أعود إلى كتبه ومنشوراته كلها وفي مقدمتها موسوعته الذائعة الرائعة عن الرجل الكبير بحق الشيخ محمد الحمد الشبيلي، فأتمنى عليه أن يفكر في إنشاء (جائزة الشبيلي لحسن الإتقان ومكارم الأخلاق) تمنح لكل مجد في عمله منتج في تخصصه محافظ على سمعته وسمته مستفيد من علمه ووقته. هذه كلمة ومقترح أكتبها بعاطفة الصديق وإشفاق المحب لا بعقلية المحاسب وتدقيق المعاتب فلا يسألني أحد لماذا قلت كل هذا.

عبدالرحمن آل معمر - جريدة الجزيرة 4ديسمبر 2006