مشيناها خطى الشبيلي

غريزة حب البقاء في نفس الإنسان أبدية، وهي أساس عمارة الكون واستمرار الحياة وإبداعات المبدعين حين ترث الأجيال التجارب والمعارف والعلوم التي خلفها السلف للخلف، وقد راودت بني الإنسان منذ القدم رغبة البقاء وأسباب الاستمرار في الحياة وبعد الممات أيضا، فعبروا عن هذا الهاجس بمحاولات شتى كالنحت والتصوير والرسم على الصخر والاعتناء بالمقابر والتحنيط، وفكروا إلى ما هو أبعد من ذلك، ولم تتوقف المحاولات حتى اكتشفوا الخط والكتابة، فكانت تلك أمنية حققت البقاء بتدوين التجارب والاختراعات وتسجيل الذكريات، كانت ذكريات الفرد وتجاربه في الحياة جزءا من وجوده وامتدادا لحياته وما فيها من نشاط وإبداع وما يملك من حق في النشر والاستعمال، وقد عبر الفلاسفة والشعراء والأدباء عن هذه الرغبة في كثير مما حفظ عنهم، فالذكريات صدى السنين الحاكي كما يقولون، وقد يشعرون بالحسرة والغبن حين يخشون أن تذهب ذكرياتهم بذهابهم الذي لا مفر منه، وحاولوا تخليد التجارب وإبقاءها بعد ذهاب النفس وامحائها، ويأسفون إن ذهبت تجاربهم كما ذهبت أجسادهم، وهذا حفني ناصف يعبر عن القلق الذي يشغله بعد موته وانتهاء حياته كيف تبقى ذكرياته وتجاربه التي اكتسبها وكيف يستفيد الناس منها:

أتفنى معي إن حان حيني تجاربي

وما نلتها إلا بطول عناء

وبين يدي أحد هذه الهواجس التي راودت الإنسان الأول ولا زالت تراوده إلى اليوم كتبت بخطى متئدة خطها قلم الدكتور عبدالرحمن الشبيلي وجعل عنوانها كلمة واحدة (مشيناها).

مشيناها سيرة، حكاية، قصة أو رواية، ليس مهما التصنيف، سمها ما شئت، لكنها خطوات توشحت بالذكريات التي عز على كاتبها ألا تكون لوحة باقية تقرأ الأجيال القادمة مضامينها في كل تحولاتها وتقلبات الزمن التي مر بها. تبدأ بحياة الطفولة، والشح، والتعليم، والتجارة، والوظيفة، والزملاء، والأصدقاء، والناس الذين يعيش معهم وخطا خطواته بينهم في كل مراحل المشي المادي والمعنوي.

في هذه الخطوات سار الدكتور عبدالرحمن الشبيلي في دائرة (بانورامية) واسعة الأبعاد يشرف منها القارئ على سبعين سنة من الذكريات والأحداث والقصص والروايات والمعارف والناس، وما استطاع المؤلف تقديمه لمجتمعه. كان الممشى الذي سار فيه عريضا غاصا بالسائرين رافقهم في سيرهم وزاحم مناكبهم بخطى شقت طريقها في هدوء مع معترك الحياة الواسع، وتجلى فيما أفاضت به ذاكرة حادة ساعدت وأجادت في ترميز الأحداث وتسلسلها وضبطها بدقة متناهية وعلو في إحكام ملكة السرد الفني.

يبهرك بالأسماء التي مرت في حياته، يتذكر بلا مبالغة كل اسم عرض له في لقاء أو سفر، فضلا عن أسماء الزملاء في العمل والموظفين في المواقع التي مرت بها أيامه، رغم تباعد الخطوات وتنوع الذكريات جاءت مئات من الأسماء تعامل معها وعرفها وذكرها في القرية التي نشأ فيها والمدرسة التي علمته أبجدية الحروف الأولى.

أحب الإعلام وتخصص فيه وأفاض في الحديث عن عشقه لصناعة الكلمة ومتاعبها والرضا عنها حينا والغضب منها أحيانا، وذهب إلى التعليم العالي بغير رغبة ولا طلب فسجل تجربة مختلفة وعرف أناسا آخرين ومجالا واسعا من المهمات الصعبة ترقى في سلمه من محاضر في الإعلام والجامعة إلى موقع الرجل الثاني في الوزارة التي تشرف عليه.

تقف أمام سجل كبير وخارطة ملونة بالكلمات لبيوت الحي الذي سكنه في مدينته الأولى عنيزة بعوائلهم وصلات القربى بينهم وطرق الذهاب والعودة إليهم، ومع كل من عرف من الناس تشعر باعتدال علاقته وتقبل التحدي الذي توجبه الوظيفة وتفرضه مشكلاتها ومتطلباتها، ينطلق قلمه بلغة لا تحمل شيئا من التكلف. ومع أن خطوات الشبيلي في ممشاها الطويل لا بد أنها اصطدمت مع خطوات السائرين معه في طريق الحياة، إلا أن هدوءه المعروف وطبيعته المسالمة وتريثه في معالجة الأمور التي تعرض له، ساعدت كثيرا في حسن الصحبة مع كل من عرفه وعرف العمل معه، لم تند كلمات تجرح الأدب مع الناس الذين عاشرهم ولم يضق ذرعا بمن اختلف معهم أو خالفهم، وما أقل ما ذكر من الاختلاف أو وقف عنده وإذا وقف عنده لم يهضم حق الطرف الآخر.

انتظم الذكريات أسلوب السرد والاستطراد وتسلسل الأفكار وترتيب الأحداث والرضا عن النفس والناس، فكانت ذكرياته قطعة فنية رائعة رسمت حياة جيل الشبيلي الذين عاشوا بدايات التعليم والاقتصاد والتطور في كل شيء، وأدركوا شيئا من نهايات شظف حياة الآباء والأجداد بكل موضوعية، ثم أمطرت عليهم السماء والأرض ذهبا مثلما نرى ونعيش اليوم.

مرزوق بن تنباك - جريدة مكة