نقش على شاهدة


منذ تأسيس نواته الأولى المتمثلة في مكتبة الثقافة العامة بالجوف في منتصف
الثمانينيات الهجرية كان -وما يزال- مركز عبدالرحمن السديري الثقافي أشبه بينبوعٍ
تأوي إليه الطيور من كل جهات الوطن، وكان من حسن حظي أن عملت في هذا المركز؛ ما
هيأ لي فرصة الالتقاء بعدد من الشخصيات الثقافية الفاعلة، وكان أحد هؤلاء المرحوم
الدكتور عبدالرحمن الشبيلي، الذي جمعتني به مناسبات عديدة، فضلا عن مشاركتي
مع نخبة من الباحثين والكتّاب في كتابة فصل من كتاب )عبدالرحمن السديري: فصل
من تاريخ وطن وسيرة رجال( الذي عكف رحمه الله على تحريره، وخلال تلك الفترة كنا
-استجابة لمقتضى العمل- نتواصل باستمرار؛ فآناً نجتمع في منزله بالرياض، وآناً آخر
نكتفي بالتواصل الهاتفي؛ وكانت مثابرته وجهوده ومتابعته الدؤوبة سبباً في نجاح الكتاب
وإنجازه في الوقت المناسب، وفقا للخطة المقررة، منذ البدء حتى الختام؛ بيد إن العلاقة
الشخصية بيننا امتدت وتوثّقت فيما بعد.

في زيارته الأخيرة للجوف، دعاني الصديق خليفة المسعر إلى فنجان قهوة، بصحبة الراحل،
الذي كان قادما – على الرغم من زحمة مشاغله – لتلبية دعوة المركز لأمسية شعرية، وقد أرجأ

دعوتي له بسبب سفره واعدا إياي أن يشرفني
بالزيارة في مناسبة قادمة، اتضح الآن أنها
مناسبة لن تجيء؛ فالموتى يتركون مواعيدهم
بلا رأفة، كما تترك العصافير أنغامها على
الأشجار وتهاجر.
لا أدعي بأنني أحطت بمعرفته، لكنني
أستطيع الزعم بأن ما عرفته يكفي للكتابة
عن بعض سماته الشخصية؛ ولكنه بالتأكيد لا
يفيه حقه من التأبين، بل أظن أنني وجدت في
شخصيته من اللطف والحنوّ والكياسة ولباقة
الحديث، ما يجعلني أؤثر – عوضا عن الكتابة
– أن أهيل الدمع على الكلمات، وأحدّق في هذا
الفراغ الذي تركه في داخلي؛
فقد شعرت حال سماع خبر
سقوطه من شرفة بيته
في ضواحي باريس بذلك
الدوي الهائل الذي يجعلك
تهرع في لحظة جزع لتتفقد
نفسك في المرايا، متسائلا
فزعا: هل كان ذلك مناما؟
مرددا ما قاله المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ
فزعت منه بآمالي إلى الكذب
ورأيت وحش الموت يعض قلبك ويزدرد
ما تبقى فيه من فرح، ويغتال صفي أضلاعك
المتقابلتين كرجال متأهبين للعرضة، فيا ترى
هل كان لاسمي نصيب من ذلك الارتطام
الهائل؟! وهل تتصادى الأسماء إلى ذلك الحدّ؟

 

عبدالرحمن الدرعان - مجلة الجوبة العدد 65