أرياف المملكة سياحية حالمية وغافية على كتف الجبال


قليل جدًا من يفكّر في بلاد تضمّ الربع الخالي والدهناء وصحراء النفود الكبير سوى أنها بيئة جرداء قاحلة طاردة، بينما هي في الواقع تحتضن مواقع تضاهي وتنافس – في تنوّع مناخها وفي جمالها وفي منتوجاتها من الفواكه وفي مكوّناتها الطبيعية الجبلية والبحرية وفي شواطئها – بلدانًا معروفة في إمكاناتها وجذبها السياحي.
كان المعتقد فيمن يهاجر صيفًا إلى الشمال، وبخاصة نحو لبنان وتركيا وأوروبا، أنه إنما يبحث في الغالب عن الانفتاح الاجتماعي في تلك البلدان، لكن الشواهد تثبت أنها ليست القاعدة ومنظر الآلاف من السعوديين والخليجيين تغصّ بهم المواصلات للوصول إلى الطائف والباحة والنماص وتنومة وأبها وخميس مشيط ورجال ألمع وجبل فيفاء، وإلى سواحل البحر الأحمر وجزر فرسان لعاشقي سياحة البحر شتاءً، حيث إن المقارنة العددية بين الهجرات نحو الشمال والتقاطر نحو جنوب غربي السعودية تذهب رقمًا لصالح الأخير بلا شك.
ذُكر من باب المقارنة الطريفة في إحدى الصيفيّات التي أصابت أوروبا فيها موجة حرّ شديد حصدت بعض الأرواح قبل بضع سنوات، كيف كان المصطافون على قمم «السودة» في عسير يأنسون بإيقاد وسائل التدفئة ظهرًا، في ظاهرة لافتة ربما لا تتكرر كثيرًا.
جغرافيًّا، تقع هذه المصايف على قمم جبال السروات (الحجاز) الممتدة بطول ألف كلم تقريبًا، وسمّيت حجازًا لأنها تحجز هضبة «نجد» عن سهول «تهامة» المنخفضة الممتدة على طول سواحل البحر الأحمر، وربما تكون جبال «فيفا» القريبة من مدينة جيزان وكذلك قرية «السودة» المجاورة لمدينة أبها من أكثرها ارتفاعًا (3000م – 3500م) عن مستوى سطح البحر، وهي بذلك تتفوّق في علوّها على جبل الأرز في لبنان وعلى مرتفعات مصايف شمال العراق، وتقلّ قليلًا عن قمة «طوبقال» في جنوب غربي جبال الأطلس الممتدّة في دول المغرب العربي، وقد أقيم على قمة جبل السودة فندق سياحي راق، بينما تنتشر الفنادق والمنتجعات بمختلف التصنيفات على كل المواقع السابقة.
بيئيًّا ومناخيًّا، تتفاوت تلك المناطق في ارتفاعاتها وتتقارب في مناخاتها وبخاصة في مسألة هطول الأمطار صيفًا والتدنّي الملحوظ في مستوى الحرارة لمستويات لا يصدّقها إلا من قام بزيارتها، وقد نشأ عن هذا المناخ المعتدل الذي يميل للبرودة صيفًا وجود مسطّحات وغابات وقمم خضراء تكثر فيها أشجار الفواكه المتنوّعة فضلًا عن البُنّ والمحاصيل الزراعية الأخرى، كما تزدهر مناحل العسل التي تتغذى على الأشجار الجبلية كالسدر والعرعر والطلح والزهور ونحوها.
حضريًّا واجتماعيًّا، ينتمي سكان تلك المناطق والتجمّعات الكثيفة الممتدة على جبال السروات ومنحدراتها من الطائف إلى جبال فيفا وعسير مرورًا بالباحة وما حولها – ينتمون إلى مجموعات متنوعة من القبائل الجبلية والتهامية القحطانية والعدنانية (مثل غامد وزهران وبني مالك وبني شهر ورجال ألمع وبللحمر وبللسمر وبلقرن وبني الحارث وغيلان وقبائل عسير ويام وشهران وشمران) وتتفرّع كل القبائل إلى أفخاذ وفروع متعددة، أما قبائل البادية فتبدأ كلما انحدرت طبيعة الأرض شرقًا نحو الربع الخالي.
ومما يلفت النظر في الأقاليم الجنوبية من السعودية ارتباط أسماء بعض المدن منذ القدم بأسواق فيها تُقام في أيام محددة في الأسبوع، فتجد مثلًا مدينة أحد رفيدة وأحد المجاردة وسبت العلايا وخميس مشيط وهكذا، ويمكن القول أيضًا إنه رغم الاندماج والتكامل الاجتماعي بفعل وسائل الإعلام فإن كل منطقة تنفرد بلهجة محكيّة واضحة لعل من أبرزها لهجات قبائل غيلان وشمران وبلقرن مما هو موضح في الكتب المنشورة، كما أن القبائل تتمايز بمأكولاتها الشعبية وبملبوساتها، أما عن سمات الكرم والشهامة والأصالة العربية فإن المقولة الدارجة في لهجات الجنوب «مرحبًا ألف» تكفي تعبيرًا عمليًّا عنها.
ومن الأمور التي تتميّز بها تلك المناطق السياحية انتشار ألوان من التراث والفنون الشعبية الجميلة كالمجرور في الطائف والخطوة في عسير والمجلساني في الباحة، ويلحظ الزائر لمنطقة جازان اعتزازها بظهور فنانين بارزين من تلك الديار، كمحمد عبده (من صبيا) وعبد المجيد عبد الله (من العارضة).
وفي أبها، أقيمت قرية «المفتاحة» للفنون التشكيلية، التي خصصت فيها مراسم لهواة الرسم والنحت ومحترفيهما، في حين يبرز في عسير اهتمام خاص بفن تنفرد به المنطقة وهو رسم «القطّ» أو النقوش العسيرية القائمة على المثلثات والأشكال الهندسية في اللوحات والمباني والملابس النسائية، وهي نقوش تشبه إلى حد ما الرسوم على أقمشة «السدو» في شمال الجزيرة العربية.
تاريخيًّا، كانت الطائف وما تزال، بمناخها المعتدل وبمصيفيها الشهيرين؛ الهدا والشفا (2000م عن سطح البحر) الخيار المفضّل للأهالي وللحكومات في العهود المتعاقبة على مرّ الأزمان لقضاء فترات الصيف، وذلك لقربها من مكة المكرمة والمشاعر المقدسة حولها، وقد اشتهرت بمنتوجاتها الفريدة من الفواكه ذات الجودة العالية بين مثيلاتها المزروعة محليًّا أو المستوردة، وكذلك الشأن مع «الورد الطائفي» ذي الشهرة الواسعة، وكانت قد مرّت فترات عادت الآن بقوة، تجعل من الطائف رديفًا اقتصاديا وسياحيا وممرًّا متميّزًا لقاصدي مكة المكرمة من أجل الحج أو العمرة، كما أنها المصيف الأقرب للمكّيين، ولأهل جدة والمناطق المحيطة بالطائف من كل اتجاه.
لكن المصايف الأخرى – وبخاصة النماص والسُّودة – وبسبب من ارتفاعاتها قد تتفوّق على الطائف في اعتدال مناخها صيفًا وفي كثرة الاخضرار على مرتفعاتها بشكل يذهل الزائر، وهو ما يشجّع الكثيرين على السفر برًّا على الطرق السريعة الممتدّة على سفوح تلك المرتفعات، غير أنها تنتظر اكتمال الخدمات البريّة السياحية للعابرين.
ومنذ سنوات، اكتشفت بعض الأسر الخليجية تلك المزايا فصارت تتملّك العقارات وتستفيد من تلك الأجواء البديعة المنافسة لتقضي عطلاتها، وتنتهز فرصة قربها من الأراضي المقدسة لأداء العمرة في تلك المواسم والإجازات التي ربما تنخفض فيها أعداد المعتمرين والزوار من بلدان إسلامية أبعد.
وبعد؛ ربما يكون ما تقدّم كلامًا معروفًا على المستوى المحلي والخليجي تدركه الأسر التي تبحث عن «ثلاثيّة» التمتّع بالمناخ ووسيلة النقل المتيسّرة والسكن المريح، وهو حديث يُستعاد قوله بعاطفة وطنية في كل صيف، لكنها الحقيقة، ولو استطاعت السلطات السياحيّة في تلك المناطق أن توفّر قدرًا أكبر من وسائل الجذب – وفي مقدمتها زيادة سبل الترفيه وخيارات السكن والرحلات الجوية والقطار السريع مع تشجيع صنع «النموذج القدوة» في ارتياد تلك المصايف تمامًا كما كانت الحكومة السعودية تفعل قديمًا مع الطائف – لأصبحت السياحة إلى جنوب غربي السعودية مصدرًا استثماريًّا أكثر وضوحًا في الاقتصاد الوطني.