الشخصية المكرمة الامير سلمان بن عبدالعزيز


أستميحكم العذر الليلة للخروج قليلاً عما اعتدنا عليه في الأعوام الخمسة الماضية من عمر هذا المنتدى، فالمكرّم هذا العام، شخصية تتعدّد مباحثها وأغوارها، وتغري من يعشق الرصد والسّبر والتحليل، شخصية إدارية متألقة، جعلت من ممارسة العمل السياسي والأمني فنًّا يمتزج به البّر والتنمية والثقافة، وشكّلت من روح التواصل الاجتماعي والإنساني وجهةً لكل مكونات المجتمع، ومثقفيه بخاصة.

كنا فيما سبق من أعوام نصرف جل هذه الكلمة للحديث عن فكرة المنتدى وأهدافه والموضوعات التي تطرّق إليها، وعن البرامج التنموية والثقافية للمؤسسة، وعن أسس اختيار الشخصية المكرمة وإجراءاته، والأهداف التي تتوخاها هذه المؤسسة الخيرية في الجوف والغاط من المنتدى السنوي، لكننا هذا العام نحيل هذه التفاصيل إلى موقع المؤسسة ومطبوعاتها، لنغتنم مصادفة انتقال المكرّم إلى موقعه السياديّ الجديد، للحديث بكل الأمانة عن موقعه السابق الذي نال بتنميته الليلة الترشيح والاختيار في هذا المنتدى.

لقد كانت الرياض – العاصمة والمنطقة وقصر الحكم – على موعد في منتصف السبعينيات الهجرية (الخمسينات الميلادية) مع فارس من نوع خاص، أحبها وأحبته، وأخلص لها وأخلصت له، حتى صارت تُعرف به ويعرف بها، شب معها وشبت معه، واستقام عودها معه وبرفقته، فارس جعل من مكتبه في ميدان الصفاة رمزاً للنظام كله، وكان في أسلوب إدارته يتمثل خطوات والده وطريقته، ونسق الملوك من بعده.

من هنا لم يخطئ منتدانا التفكير والطريق، وهو يصطفي بكل ثقة، الحاكم الإداري السابق لمنطقة الرياض، ليس لصفات في شخصه فحسب، ولكن لأنه – كما قلت – عاش قصة حب مع مبانيها وبساتينها القديمة، ورواية غرام مع مصدّة ومعكال ودخنة والقِرِي والوسيطا، وصار يحفظ عن ظهر قلب أسماء ساكنيها، ويهتم بأحوالهم ويشاركهم همومهم، وسجل في جوامعها وجامعاتها أطروحة تخصصه في تنميتها وتطويرها، يتكيّف مع الظروف والميزانيات، وهو لا يخفي آماله العريضة في أن تصبح عاصمة المدائن وجوهرة الجزيرة، وأن تضاهي في تطورّها أحسن المدن والحواضر المتقدمة، وما زلت أتذكر ذلك اللقاء التلفزيوني التوثيقي المطوّل الذي أجرته معه مساء الجمعة، التاسع والعشرين من ذي الحجة 1392 للهجرة (الثاني من فبراير 1973 ميلادية)، وكان قد مضى عليه عشرة أعوام من فترته الثانية في قصر الحكم، يتحدث عن الرياض العاصمة والرياض المنطقة حديثاً متدفقاً ملؤه الأمل والتفاؤل، والرياض لمّا تتجاوز بعدُ طريقي الأحساء والمعذر في توسّعها، وأحسبه اليوم يشعر أنه لم يستنفد كل ما في خاطره نحوها من آمال وتطلّعات.

تلكم هي الرياض العاصمة والرياض المنطقة، أنشودة كان يتغنى بها منذ أن يستيقظ من فجره، ويباشر مع الصبح لقاءاته ومتابعاته، وملحمة يقرؤها كلما استأنف في المساء نشاطاته الاجتماعية والخيرية، وهي كانت سيمفونية الحب والفن والإنجاز عنده، يطرب لكل لمسة جمال تطال حدائقها، أو تزين جيد واديها، أو تحلي مبسم ثغرها، أو تحافظ على تراثها العمراني، كان ينشرح لكل تصميم يجسد رؤيته وآماله، ولكل تنفيذ يتم في وقته ووفق منظوره، ولكل عمل إبداعي جعل من الميادين الرتيبة في العاصمة متنفسات للتنزه والترويح ومتعة التسوق والتشويق، ومن كل قاعاتها نشاطات لا تنتهي للندوات والمحاضرات والمؤتمرات، وما فكرة هيئة تطوير منطقة الرياض التي انفرد بها، وصارت في مشروعاتها مجموعة وزارات في كيان واحد ساعده على تحقيق بعض تطلعاته، إلا واحدة من المسوغات التي نظرت فيها هيئة المنتدى عندما رشحته للتكريم.

هل يا ترى، كانت الرياض ستصبح أكثر المدن جذباً للإقامة والسكنى لو لم تكن بهذا النمو المستدام نحو العصرية، أو كانت لتحتضن الملايين الخمسة من السكان لو لم تكن بهذا التخطيط الذي استجاب بحيوية لمتطلب التوسع، ولموجبات التوازن فيه بين الكم والكيف على حد سواء، والبحث الدائم عن حلول لمشكلات النمو المتزايد وتحقيق اللا مركزية.

لقد تمنيت يوماً، في أحد مقالاتي عن الرياض، التي عشت فيها ثلاثة أضعاف إقامتي في مسقط رأسي، وانتقلت إليها بالتزامن مع أواخر ولاية سلمان الأولى، تمنيت أن تتحدث سوق الصفاة، لتحكيَ قصة العشق الذي عاشه أبو فهد مع معشوقته، وكيف أنهما ما كادا يفترقان في المرحلة الأولى التي دامت ست سنوات من السبعينات الهجرية حتى عادا ثانية باقتران أوثق وأدوم، وكيف أنها لم ترَ منه طيلة خمسة عقود ونيف، أي ملل أو صدود، إذ كان حبهما المتبادل يتجدد، وهو إذا ما سافر في إجازة أو رحلة عمل، أو أجبره ظرف على الغياب عن محبوبته، فإنه كان يهاتفها مرّات كل صباح، ويبعث لها الورد كل مساء، ثم يعود وفي جعبته أفكار استقاها من تجواله، لقد كان الحاكم الإداري الذي يرى محبوبته بإحدى عينيه ويرى حسناوات المدن من خلال عينه الأخرى، ولا ينفك ينظر إلى حبه الأصيل من خلال معايير الاعتماد والتقويم الحضري للبلدان، ومنافسات الحضارة والتراث والعمران، ويفخر بعرض تجربتها في أنحاء العالم، بين آن وآن.

وإذا كانت الرياض – العاصمة بالنسبة إليه معشوقة العمر وذكرياته، فإن الرياض – المنطقة، كانت بيته الكبير الذي يرى فيه عبق الأهل وعبير الوطن، وكان يوزع عليها نظراته، ويخص محافظاتها برعايته ونبضات قلبه، وهو الذي قال بالأمس: «إن محافظة القويعية وأهلها أغلى عندنا من الذهب الذي فيها»، معلقاً بذلك على وصفها بمحافظة الذهب، أما المملكة عنده، فإنها أفقه ومحيطه ومظلته وغيمة المطر التي تروي حياته.

إنك حيثما تجيل نظرك في أنحاء الرياض، وهي تتمدد في كل اتجاه، ستجد شخصيته ماثلة أمامك، لأن أميرها المثقف المستنير المتّقد حركة ونشاطاً كان الحاضر الأبرز في كل ركن، وإذا كان قدره أن يتولّى عبر نصف قرن إمارة العاصمة، فهو أمر فرض عليه أن يكون القدوة لغيره، وأن يستلهم من تقاليد الحكّام السابقين في الدولة السعودية نهجاً ونمطاً لأسلوبه في الحكم والإدارة.

ولو استبعدنا كفاياته الذهنية ومواهبه القيادية ومعارفه التاريخية الواسعة، فإن المدة الزمنية التي أمضاها حاكماً إدارياً للمنطقة قد مكّنته من أن يعرف تفاصيلها، ويحفظ تاريخ تطوّرها، ويصبح خازناً لوثائق نموّها، وهي ميزة تحتسب – استثناءً – في حالة سلمان وأمثاله من المديرين المنتجين، لمدرسة الاستمرار في الوظيفة عند توافر الكفاية، ذلك أنه كلما فرغ من برنامج تكشّف لنا ما في ذهنه من برامج قادمة، حتى صار مع الأيام محرك التنمية الرئيس الذي لا نلحق له مدى أو محيطًا، وذلك فضلاً عنه معرفته بالأسر والقبائل وشرائح المجتمع، على أن اختصاصه بهذه المنطقة، ما كان ليحصر معرفته فيها وحدها، فهو المحيط بقدر كبير من المعلومات عن بقية المناطق من جازان ونجران إلى الخفجي وعرعر ووادي السرحان.

لقد مكنته جاذبية الشخصية وعلاقاته الواسعة في الداخل والخارج، من أن يحتفظ بسجل طويل من الصلات مع المواطنين في شرق المملكة وغربها ومن خليج الجزيرة إلى بحرها الأحمر، ناهيك عن صلاته الوثيقة مع العرب والأجانب، ويكفي عند المناسبات أن تلقي نظرة فاحصة على الداخل والخارج من باب مكتبه وداره، لتكتشف قوائم المراجعين والزائرين وهوياتهم وتنوع جنسياتهم، وهو أمر لا يحوزه إلا الندرة من الحكام وولاة الأقاليم في العالم.

وحسبي ألا أطيل في الحديث بعد هذا عن حضوره الاجتماعي، وعن علاقاته الوثيقة مع المثقفين، لكنني أختم هذه المداخلة بذكر خصلتين ميزتا هذه الشخصية وهما: سمة النزاهة والحزم والعدل، وميزة الانضباط في الزمن وحسن إدارة الوقت، مما يعرفه كل من حضر له مناسبة، أو زاره في مكتبه وداره، وهما ركنان أساسيان في الوظيفة العامة، وفي الإدارة المحلية بخاصة.

وتظل تجربة العاصمة مع التنمية الإدارية المحلية بيت القصيد في هذا التكريم، لأنها قصة نادرة فيما نعرفه من التجارب، ملحمة حضارية جمعت بين الأصالة والمعاصرة، والتاريخ والجغرافيا، والمنارة والعمارة، والتحديث والاخضرار، ستظل تجربة ثرية يمتح منها المنظر والخبير في مجال التنمية المحلية، في سيرة مسؤول أهدى زهرة شبابه لكتابة التاريخ الحديث لهذه العاصمة التي اختارها جدُّه، وأعزَّها أبوه، وأسلمها إخوته له من أجل البناء والإنسانية، ثم ناولها لأخيه سطام وهي على حال من النضج والتكامل تزهو به العواصم والحواضر.

وفي ظني أن مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية في جامعة الأمير سلطان، المركز الذي شارك في تنظيم ندوتنا هذه، سوف لن يجد الكثير من العناء في البحث عن أمثلة، وأمامه تجربة هذه العاصمة ماثلة للعيان، وإذا كان لي من رجاء على هذا المركز، فهو أن يقوم بتوثيق التجربة بلسان فارسها، وبمنظوره الذي لم يكن له حدود تصده ولا آفاق ترده.

لقد اعتاد المنتدى على عقد ندواته سنوياً بالتناوب بين الجوف والغاط بموضوعات أصيلة منتقاة، وعلى أن يختار شخصية مؤهلة ذات صلة بموضوع الندوة لتكريمه وتناول تجربته في المداولات، مشيراً في هذا الصدد إلى أن تنظيم المنتدى واختيار موضوعاته وترشيحاته وأسلوب تحكيم بحوثه، تصدر عن هيئة علمية متخصصة وبموجب لائحة ومعايير موضوعية ملزمة، وكان موضوع المنتدى الذي التأم أمس، في دورته الخامسة: (الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل)، وقد انطلق المنتدى هذا العام في اختياره لهذا الموضوع المهم، من شعور المنتدى بأن تجربة التنمية المحلية قضية أصبحت الآن تحتاج إلى مراجعة وتقويم.

الليلة يشرف منتدى عبدالرحمن السديري للدراسات السعودية، الذي ينبثق عن مؤسسته الخيرية بالجوف والغاط، ذات الخمسين عاماً من الأنشطة الثقافية والاجتماعية الخيرية المتنوعة، بأن يكون الشخصية المكرمة هذا العام هو الأمير سلمان بن عبدالعزيز، بوصفه حاذق الإدارة المحلية والتنمية المتوازنة في تصريف منطقة الرياض وتطويرها بامتياز عبر خمسين عاماً.

وبعد؛

ليعذرني المتحدثون والحاضرون، فلقد خرجت عن الاتفاق، ومارست شيئًا من التصريح عن مكنونات الخاطر، فالتكريم ما كان ليذهب لغيره، وشروط التزكية والاختيار في مجال الإدارة والتنمية المحلية لا تكاد تنطبق على من سواه، لكن الكلمات كانت تنساب وهي تتناول قصة الرياض المدينة والإقليم في عهده، والمشاعر ما كانت لتفصح بهذا البوح عن دواخلها، لولا أن القلم كان يكتب، قبل أن يعرف أن سلمان سيكون الليلة معنا بذاته.. والسلام عليكم.

* ندوة الإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية: تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل، الرياض 17-18 محرم 1432هـ – الموافق 12-13 ديسمبر 2011م.

** باحث وإعلامي، عضو هيئة المنتدى