د. الشبيلي : تمنيتُ أن أمتلك المقدرة على كتابة الرواية


يكتب الدكتور الشبيلي سيرته يعني أن الخوف قد مكث في روحه، فهل خاف على
ما يعرفه، أو كان وفيّاً لما حاكتْه السنون في عباءة أيامه؛ ليقدم للقارئ مرويته المليئة
بالأحداث والطموحات والإنجازات

أنت تلك السيرة التي نالت تفاعلا كبيرا
من قبل مجايليه والأجيال اللاحقة، بل شكّل
أنموذجًا للعمل واستثمار الوقت في فِعل الحياة
بكل تناقضاتها؛ فقد دوّن ذلك الصراخ الساكن
في أعماقه في كتاب “مشيناها” كيراع يسير
ليكتب بحبر الذكريات ما وقع عليه وما فعله
هو في حياة لم تعاني من فراغ قط! فتذكّر
ودوّن واستشار فيما كتب ليقدم ذاته صافية من
كدر الدنيا، مدركا أن ما يكتبه الآن هو ماضٍ
سيتحولُ الى قيمةٍ ذهبيةٍ للناس فيما بعد!
فملاحقة صراخه الداخلي في كتابة سيرته،
إنما يؤثِّثُ منجمٍا من الذكريات والأحداث
والمواقف التي تعود بقارئ كتابه إلى ماضٍ
جميل يدركه القارئ في تصور تلك المواقف
وأماكن حدوثها؛ فالسيرةُ كشفٌ واعترافٌ
بجزيئياتٍ تكون في بعضها صادمةً، وفي مواقع
أخرى ماتعةً؛ لامتلاكها مكاشفات لذيذة؛ تلك
المكاشفات هي محض كشفٍ نفسيٍّ وذاتيٍّ
يقوم على البوح الحذِر في بعضه.. والمنثال
في مواقع أخرى. فهي حصيلة تأمات
وخبرات تراكمت في حقيبة الذات الساردة،
ومجازفة في الانفتاح على الخاصوص وجعله
مشاعا للقارئ، جهرٌ وبوحٌ لتوصيل فكرٍة ما،
فكرة تشوبها صدقية عالية، وأذكر هنا ريادة
جان جاك روسو الذي كتب أول كتاب في
السيرة الذاتية بعنوان “اعترافات”، والذي لاقى
نجاحات كبيرة في دول أوروبا وخارجها، كما
لاقى قدراً كبيراً من النجاح في قارّة أوروبا
وخارجها لإسهامه في تحريك مشاعر القرّاء
فيما يخص الانفتاح والمكاشفة الجريئة، التي
تصل الى محاسبة النفس.
وانتقلت السيرة الذاتية إلى اللغة العربية
على يد طه حسين في كتاب الأيام، ثم
توالت لذاذات السيرة، لتنتشر بين المفكرين
والسياسيين والأدباء.
فحين يكتب الكائن سيرته بالضرورة أن
يكشف عن أسرار كانت نائمة في جوارير
خزانته الخاصة، تلك الخزانة التي كان
يحمل مفتاحها في قلبه، ليحبّر رواية الذات
التي كانت تروي أنهارًا من الحبر في دفاتره،
عبدالرحمن الصالح الشبيلي المولود في
2019 م” هو – القصيم، عنيزة سنة ” 1944
علامة ناشطة في الثقافة والإعام، وكان
شغوفاً في تأسيس مؤسسات تسهم في الوعي

المجتمعي والثقافي، إذ أسهم في تأسيس
إذاعة الرياض وتليفزيونها، وقدّم الكثير من
البرامج التلفزيونية والمقالات والكتب.
سيرةٌ مليئةٌ بالطموح والعمل.. فقد حصل
على الدكتوراه في الإعام من جامعة أوهايو
سنة 1971م ليكون أول سعودي يحصل على
الدكتوراه في الإعام، وعمل عضواً بمجلس
الشورى في السعودية اثنتي عشرة سنة لثلاث
دورات متتالية، وعضواً في المجلس الأعلى
لإعام. ونال وسام الملك عبدالعزيز من
الدرجة الأولى، وجائزة الملك سلمان لخدمة
التاريخ الشفوي وتوثيقه، ولديه نحو ) 51( مؤلفاً.
فهذا الامتداد العميق في الحِراك الإعلامي
والثقافي والتعليمي يجوز له أن يرتكن إلى ذاته؛
ليروي لنا تفاصيل مشفوعةً بالصدق والأدب؛
لتشكل تلك السيرة مناخاً مليئاً بالبياض، ولذة
السريرة وآلامها كذلك.
شكّلت رحلته المتنوعة في الإعلام والأدب
والتعليم مجالاً واسعًا في تأسيس مرجعيات
وازنة للإعلام السعودي، من تأليف وتخطيط
ودراسات أكاديمية، رحلة امتدت على مدار
أكثر من خمسة عقود، تشعّبت لتنهل من العلم
جوهره بما يفيد بلده والأجيال التي تليه. لقد
هَوَتْ الشرفة الباريسية به قبل أن يكمل روايته،
رحل عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاما ولم
يزل في فمه الكثير من الكلام، فكانت أمنيته
في كتابة الرواية لم تتحقق بعد، لكنه روى ذاته
عبر منجزٍ واضحٍ لا لبس فيه، فمن درس وتتبع
سيرته يدرك مباشرة أن الشبيلي لم يكن لديه
وقتٌ للفراغ، فكان منشغلاً بالعمل والطموحات
العريضة التي لا تنتهي.
كان لكتابه “مشيناها.. حكايات ذات” مادة
مهمة للتعرف عليه من الناحية الإنسانية،
إضافة إلى حياته العلمية والمهنية؛ فهو كاتب
السيَرة التي استهوته كجزء من سردية الحياة
المليئة بالمفارقات، إذ سجّل عددًا من السِيَر
لرموزٍ سعوديةٍ لها قدرها ومكانتها. “مشيناها..
حكايات ذات” هو هويته الذاتية التي رشحت
من قلمه بكل لحظة من حياة محكومة بقلق
الإبداع والإنجاز؛ وقد تعلّم الإنجليزية
والفرنسية إضافة إلى لغته العربية؛ لكي يطلع
على معارف مختلفة تفيده في حياته المهنية
والأدبية، وفي برنامجه “حديث الذكريات”..
إشارة واضحة على شغفه في سرد الماضي
وتجلياته الإنسانية والعملية.
ومن أهم كتبه في الإعلام: ” إعلام وأعلام”،
و”الملك عبدالعزيز والإعام”، و”نحو إعلام
أفضل”، فهو رائد البدايات ومؤسسها، كما
لو أنه يتسابق مع زمن خاف أن يتفلت منه،
المستشرف في تفكيره والمبتكر في رؤاه،
فلم تزل أفكاره مثل نسغ يسري في الحياة
الإعلامية السعودية والعربية، بل هي مدار
حكايات بين السياسيين والمثقفين.
هذا الاحتراق في كتابة السيرة هو بمثابة
القلق المُر الذي يجتاح الشبيلي ليقدم.. ليفتح
صندوقه الخاص للعامة، وقد تأثرت سيرته
عبر شغفه الكبير بفعل كل شيء، فكان يرى
أن الحياة قصيرة جدًا.. فلا بد من سباق
يومي معها كي يحقق آماله، فكان لصوت
الحياة العالي في رأسه مدعاة ليمسك بناصية
القلم ليدوّن صراخه الداخلي، فكان يدرك
تماما أن ما يكتبه الآن هو بمثابة شهادة له
ستتحول إلى أحاديث حول رحلته، إن ملاحقتة
لهذا الصراخ، إنما يخلق ينبوعًا سيسقي
من بعده قوة الإنجاز، بل تدعوهم للمجازفة

في خوض غمار الحياة رغم صعوباتها،
وتدفعهم إلى المغامرة بالكشف عن دواخلهم
وخصوصياتهم فيما بعد.
فالسيرة وسيلة للتدوين المضمر لخلق
مساحة من البوح الثمين، الذي ما يزال
يتكشف أمامنا لنغترف من معينه الحِكَمْ
ومصائر الحياة، تماماً كاعترافات الشاعر
ميمون الأعشى بتجربته في الحب.
لم يسعفه العمر كي يكمل سردياته
الثريّة بتنوعها، رحل وفي فمه كثير الكلام
والذكريات؛ فلم يشتمل الكتاب على كثير
من المواقف السياسية والإنسانية، فقد
بقيت تلك الأسرار في داخله، ليرحل وفي
قلبه الكثير من المواقف، وكانت شرفته في
باريس التي كان ينظر عبرها الى العالم
سبباً لنهايته المؤسفة.
لم تأتِ هذه السيرة صدفةً، فقد كان
جادًا منذ طفولته فيما يخص التزامه في
الدراسة، فهي بذرة طيبة منذ الطفولة..
والتي نمت لتصبح عامة من عامات
الإعلام السعودي، وكان لعائلته الدور الأكبر
في نجاحه واستمراره في إنجاز الكم الهائل
من النجاحات الكبيرة. كما أنه لم يخلد
للكتب التي ألّفها، إذ أسهم في اللقاء الشهري
الذي كان يُعقد في مكتبة الملك عبدالعزيز،
والذي اشتمل على مناقشات ومداخلات
حول القضايا الإعلامية والأدبية الثرية،
واختتم الدكتور الشبيلي بالقول:
“لم أجد أركان السيرة الذاتية كافية
لما أكتب، وتمنيتُ لو صيغ الكتاب بطريقة
)الرواية(، تمنيت أن أمتلك المقدرة على
كتابة الرواية، لكن أركانها لم تكن متكاملة
عندي ولا أسلوبها ولا طريقتها الفنية”.
حاولتْ أن تصور مرابع النشأة، وبيئة
ا لدراسة، وظروف الزمن، وأن تبوح
بالممكن من مكنون الصدر، فأبقتْ بعد
ذلك طيّ الكتمان ما هو أكثر.

ابراهيم العوامرة - مجلة الجوبة