كأن قرناً كاملاً من الأعوام قد مضى منذ مغادرة أعز الأصدقاء الأخ عبدالرحمن الشبيلي (أبوطلال) لنا في رحلة بلا عودة هي مصير كل بني البشر منذ أن بدأت الخليقة بآدم وحواء، عليهما سلام الله ورحمته، ولقد كان عليَّ بحكم عرى الصداقة لا بل الأخوة الحميمة أن أكون في وداعه عندما غادرنا ورحل وأيضا أن أكون في “ندوة” :”ذاكرة وذِكْر” التي سيتحدث فيها يوم الخميس المقبل ثلاثة من الرموز الإبداعية الثقافية والسياسية المعروفون في الوطن العربي كله :صاحب المعالي الشيخ محمد بن علي أبا الخيل والشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي والشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد وسيديرها الدكتور إبراهيم التركي العمرو.

لقد “تزاملت” مع (أبوطلال) لسنوات طويلة في مجلس “الشر كة السعودية للأبحاث والنشر” الذي أصدر صحيفة الشرق الأوسط وخيرة المطبوعات العربية التي من بينها مجلة “المجلة” و”سيدتي” و”الرجل” وإصدارات أخرى كثيرة وكان هذا المبدع دائماً وأبداً يرئسها في هذا المجلس الذي كان بقي دائماً وبإستمرار يعطيه نكهة ثقافية ومعرفية وتواضعاً وكان أمطر الله جل شأنه تربته بشآبيب رحمته يحضر معه “شلواً” صغيراً من تمور نجد اللذيذة الطيبة.
كان (أبوطلال)، الذي كنت قد بكيته عن بعد كأعز خلق الله وأقربهم لي، يحرص على أن يستضيفنا في بيته العامر وكان حلو الكلام ورقيق العبارات وقد دأب على تحويل مجالسه الدافئة إلى ندوات أدبية كان هو دائماً وأبداً فارس حلو العبارات فيها وكان دائماً وأبداً متواضعاً وبسيطاً ويُشْعِر جلساءه بأنهم في مكانه وأنه في مكان كل واحد منهم وحقيقة أن هذه “الخصلة” هي خصلة المبدعين الكبار وخصلة الذين يرتقي تواضعهم إلى مستوى تواضع المبدعين الذين كانوا قد عبروا التاريخ البعيد ولا تزال إبداعاتهم حاضرة ومستمرة في تتابع مع الخطوات التاريخية.
كان (أبوطلال) يملأ حتى جلساتنا الرسمية حبوراً وطيبة وكان دائماً وأبداً حاضر البديهة ينتقي مفردات كلامه كإنتقاء حبات اللؤلؤ ويقيناً أنني لم أشعر أن الحزن يملاً جوانحه وأن الوجع يخترق صدره ويضغط على قلبه الطيب إلاّ عندما رحل نجلة الأكبر “طلال” وسبقه إلى دار البقاء وغادر هذه الدنيا الفانية وترك له ولأحبائه دموع الحسرة كما ترك هو لأهله ولأحبائه مثل هذه الدموع برحيله المؤلم والموجع قبل عام.
لقد كان واجب الأخ والصديق (أبوطلال) عليّ أن أكون في وداعه بعد رحيله ولكنه خير من يعرف أنه جاء في إحدى إبداعات العرب الشعرية: “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن” ويقيناً أن واجبه عليّ وواجب كل هؤلاء الأفاضل الكبار الذين بتكريمهم له قد كرموا كل مبدع في هذه الأمة العظيمة ثم وإن واجبه علي أن “أبْري” لساني في الأعتذار له فـ “الضرورات تبيح المحظورات” ونسأل العلي القدير أن يرأف بأحوال عباده وأن يجنبهم شرور هذه البلوى التي إسمها :”كورنا” التي إسمها الرسمي:”كوفيد19- “.. ويا أخي الحبيب (أبوطلال) لك رحمة الله الواسعة ولأهلك ولأصدقائك كلهم من بعدك الصبر والسلوان.