إنه مخاض صحي ولكن ..


لا أظن ان المجتمع السعودي قد مر ـ عبر تاريخه القديم والحديث ـ بمثل ما يمر به في الوقت الحاضر، من مخاض فكري واجتماعي ودستوري، متباين الوجوه والاتجاهات، بين رؤى بالغة المحافظة والتزمت وأخرى تميل نحو الانفتاح و(الليبرالية).وبدا واضحا ان هذه الظاهرة لم تعد قاصرة على المدن الكبرى التي يتوقع بروزها فيها، بل اصبحت بفضل وسائل الاعلام والاتصال، تعم تجمعات حضرية عرفت من قبل بالعزلة والتحفظ والانغلاق.

بدأت بوادر هذه الحالة تظهر بحدة منذ ان استيقظت المنطقة على احتلال الكويت وصارت دول الخليج كافة في عين العاصفة، ثم هدأت نسبيا بعد ان استقرت الأوضاع في الكويت، وابتعدت القوات الاجنبية عن خطوط التماس، لكنها كانت الفتنة النائمة التي اطلت برأسها من جديد في اعقاب احداث سبتمبر، وما تلاها من تداعيات وتوتر في أفغانستان ثم العراق، وما رافقها من تحولات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية متسارعة.

وفي تاريخنا القريب، شهدت البلاد حالة مخاض مشابهة نوعا ما عقب حادثة الاعتداء على الحرم المكي الشريف عام 1980م، من قبل فئة متطرفة، نمت بؤرتها في غفلة من الزمن وثقة من المجتمع، فدار حوار ساخن عن بواعث هذا التشدد وجذوره وأفكاره، لكن ذلك الحوار عبر المنتديات ووسائل الاعلام انطفأ بعد فترة وجيزة، وكان من آثار تلك الازمة ان عاد الخطاب الى سابق عهده، ولم تستفد البلاد كثيرا من ذلك المخاض.

في تقديري، ان الاشكالية في المجتمع السعودي ان دعوات التطوير والاصلاح والتغيير الاجتماعي والسياسي، تأخذ احيانا منحى مندفعا ومتسرعا، متى ما وجدت تلك الدعوات منافذ للحرية او للقبول، منحى يكون بجرعات تفوق قدرة المجتمع على الاستيعاب، وعلى استعداد النفوس للهضم، وتخالف رغبة الدولة في التدرج والهدوء في التغيير، وتكون النتيجة في الغالب ردة فعل عكسية على القضية المطروحة وعلى اصحابها.

اننا كثيرا ما ننسى ان مجتمع هذه البلاد مجتمع تغلب عليه المحافظة، مجتمع يتكون من شرائح متباينة التوجهات، وان ما ترغب فيه شريحة من انفتاح او تطور قد لا يحظى بتأييد شرائح اخرى، ما لم تمر الافكار التطويرية المقترحة بمراحل من التمهيد والتدرج والتجربة واثبات زوال المحذور، والبرهان على نفعها وجدواها.

ولنا في حادثة إقدام سيدات سعوديات في ذروة ازمة الخليج على تحدي ما ألفه المجتمع من «ذكورية» قيادة السيارات، فأدى ذلك الى اجهاض الهدف، بل الى توقف تطور تدريجي متعقل كان يأخذ مجراه في بعض المجتمعات السكانية المغلقة.

ثم تكررت الحركة بمشهد (سيناريو) آخر، عندما أثير الموضوع نفسه بطريقة متعجلة في مجلس الشورى مؤخرا، وأدى ذلك مرة اخرى الى موقف قد يؤخر القضية سنوات ويعيدها الى الوراء في مربعها الأول، مع انه كان المفترض ـ في تقديري ـ ألا يبحث مثل هذا الشأن الاجتماعي الصرف في مجلس الشورى، خاصة أن نظام المرور لا يفرق بين الرجل والمرأة في هذا الشأن.

ولنا ان نتصور، لو ان قضية اجتماعية ما، هي الى التقاليد والعادات أقرب، وتكون مرغوبة من شريحة تقدمية في المجتمع، بحثت في مجلس تنظيمي مثل مجلس الشورى، واتخذ حيالها موقفا معارضا في ظل تكوينه في حينه، فإن من الصعب عرض القضية مرة اخرى، فضلا عن استخدام الموقف الرافض حجة على المنع.

لم تكن قضية قيادة المرأة المثال الوحيد على ما يمر به المجتمع من مخاض وجدل ومطارحات فكرية، فقد حدث الجدل بدرجات متفاوتة فيما يتصل بالدعوة الى تغيير المناهج او تطويرها، وبعمل المرأة، وبقضايا الجهاد، وبالخلاف على المساهمات، وبشؤون الدعوة، والخلافات المذهبية، والموقف من الجمعيات الخيرية، وكان من آخر صوره ما جرى في أروقة معرض الكتاب الأخير في الرياض، من احتقانات تفجرت في احدى ندواته بسبب تراكمات سابقة، ولعب الانترنت دورا كبيرا في إذكائها وإشعال أوارها.

قد تكون مرحلة طبيعية لا بد من المرور خلالها عندما يواجه المجتمعَ تحول سياسي أو فكري أو اجتماعي، أو عندما يخضع لظروف اقليمية او عالمية او داخلية ضاغطة، والبعض يشعر ان مثل هذا المخاض هو ظاهرة صحية لا داعي للقلق منها، وان الحوار والنقاش والمكاشفة هي افضل لتهيئة الاجواء لأي تغيير، ولرفع الغطاء عن الاحتقانات.

وفي تصوري، ان النهج الأفضل للسعي نحو أي تغيير او تطور، مهما كان نوعهما، وخاصة اذا ما كانا من طبيعة اجتماعية، ان يترك نموهما وتقديرهما للمجتمع نفسه، يتعامل معهما وفق ظروف شرائحه، وحسب طبيعتها وقناعاتها، وألا تؤتى الامور بالقسر والاستعجال، معتقدا بأن الدولة ترحب بأي تطور سلس وطبيعي، يتم عليه التوافق والتراضي، دون شرخ او انشقاق او تشنجات، وطالما نبع من الداخل ولم يخالف معتقدا.

والخلاصة، ان بعض ما يخشى منه، ان ينحرف بعض هذا المخاض عن حدوده وأهدافه وأصوله ليرتد بأثر عكسي على بعض القضايا الاجتماعية المهمة التي نأمل ان يتحقق التطوير فيها، وان تعود الى الوراء بسبب التعجل في طرحها وضعف التهيئة لها، وعدم الحكمة في طريقة عرضها.

* إعلامي سعودي