عثمان الصالح.. أستاذ المُعلِّمين


من روّاد وأساطين التعليم النظامي في المملكة، ومن رجال التربية القدامى الذين أمضوا جل حياتهم العلمية والوظيفية في ميدان تعليم الحرف والكلمة، كان بحق شيخ المعلمين وأستاذهم، إنه المُربي والمُعلّم الأديب عثمان بن ناصر الصالح -رحمه الله-، الذي تشرفت بإجراء لقاء معه نُشر في مجلة “أهلاً وسهلاً” التابعة للخطوط السعودية، وكان اللقاء عن بعض ذكرياته، وهذه أول مرة أتعرف على شخصية هذا المُعلّم، فكان انطباعي عنه أنه رجل لطيف وطيب المعشر وعالي الأخلاق، يسمع منك إذا تحدثت، ويصغي إليك باهتمام حتى ولو أخطأت في معلوماتك، يصححها بأسلوب دبلوماسي ماهر وحاذق.

أقول: هذا اللقاء الذي أجريته مع عثمان الصالح زادني احتراماً وتقديراً وإجلالاً له، فهو محبوب الجميع، ولا يمكن أن تسمع منه كلمة غير لائقة حتى ولو غضب، رجل تربية وتعليم يحسب للكلمة ألف حساب قبل أن ينطق بها، فكلامه موزون ومركز ومنتقى، خالٍ من الحشو واللغو، يُعد أديباً وكاتباً صحافياً، غزير الإنتاج من حيث الكتابة الصحافية سواء اليومية أو المجلات الشهرية، كذلك هو قارئ ومتابع لأغلب ما يُكتب، فكان قلمه سياراً في هذا الميدان، كتب في الشأن الثقافي والاجتماعي والديني والنقدي، وكان من أهم صفاته الوفاء، يكتب المراثي الشعرية والنثرية في أصدقائه وزملائه حينما يرحلون، سارداً بعض ذكرياته معهم وأبرز صفاتهم وأخلاقهم فكانت هذه الكتابة تعد وفاء منه.

أذكر أنني قرأت مقالة قديمة حبّرها عثمان الصالح عن العالم سليمان بن حمدان وهو من بلدة المجمعة، وكتبها في مجلة المنهل، ولعلها المقالة الوحيدة في رثاء ابن حمدان يقول فيها: كان صاحب عقيدة صلبة لا تلين ولا تهون، يدافع عنها بكل ما يملك من الحجة والإقناع -انتهى كلامه-، وهذا نموذج لهذه المراثي التي كانت مداداً من عدم نسيان العهد وتجسيداً للوفاء، فالوفاء هو سيد الأخلاق وتاج المكارم وواسطة العقد؛ لأن الوفاء مدعاة إلى البذل والإحسان والمروءة والوقوف مع الرفاق والخلان في الشدائد والمدلهمات.

نقلة كبرى

وُلد عثمان الصالح في المجمعة عام 1335هـ، وهو وحيد أمه، له أخت شقيقة، وله أخوة لأبيه، نشأ يتيماً، وانضم إلى مدرسة المعلم المشهور في المجمعة الأستاذ أحمد الصانع، يقول عنه شخصيتنا: كان الصانع ذا رأي وتربية، وكان قاسياً كل القسوة على من حاد عن الصواب، لا تأخذه في الله لومة لائم، على هدى وبصيرة وتقوى شديد على من جنح، وكان على قسوته معتمداً عليه في تربيته وتوجيهه الذي يشغله طوال اليوم صباحاً ومساءً – انتهى كلامه -، وقد تعلم الصالح منه القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وقد كتب مقدمة كتاب أحمد الصانع لمؤلفه فهد المزعل، وقبل هذا الكتاب سرد بعض الذكريات في صحيفة الرياض في بداياته التعليمية بالمجمعة، وكان تاريخ النشر 18 / 8 / 1387هـ، كذلك كانت هناك محاضرة ألقاها الصالح في نادي الهلال، ونقتطف بعضاً منها بتصرف حيث يقول: درست على يد أحمد الصانع، وقد هيأ خشبة مربوطة بحبال في السقف وعليها بكرة آلة حديدية تسهل التحكم بالحبل نزولاً وارتفاعاً ويجلس في وسطها التلميذ المُعاقب، ثم يأتي المعلم ويضربه من خلف، وكذلك خشبة «الفلكة»، مضيفاً أنه تشاجر هو وأحد زملائه في الصباح، وكل منهما يضرب ويلكم الآخر حتى اشتد عليه وضربه فسال منه الدم، فشكاه هذا التلميذ إلى المُعلم، والصالح يعلم ما هو العقاب، فتم استدعاؤه، فما كان منه إلاّ أن توجه إلى «حرمة» البلدة القريبة، ولم يقدر زملاؤه على الإمساك به، وقدّر الله – عز وجل – أن يستقر فيها مشتغلاً بالفلاحة والزراعة، وكان أخواله من حرمة وكانا عمه ووالدته حريصين على أن يواصل تعليمه، وكان أخوه لأبيه المعلم صالح الصالح قد افتتح مدرسة أهلية تعلم على الطريقة الحديثة، فعقد العزم ورحل إلى أخيه في عنيزة، وهناك استقر به الحال، وكانت هذه نقلة كبرى غيّرت مجرى حياة عثمان الصالح في مجال التعليم، حيث تأثر بأخيه الذي كان قد تعلم في العراق والكويت والبحرين وهضم التعليم النظامي.

طموحات وآمال

وتحدث عثمان الصالح – رحمه الله – عن أول يوم في هذه المدرسة النظامية بعنيزة قائلاً: بعد أن انتظمت في المدرسة رأيت شيئاً جديداً، حجرات وفصول وحصص وأساتذة وجدولاً للدراسة، وهذا بالنسبة لي شيء غريب، مرّت خمس سنوات على الدراسة في هذه المدرسة، تخرجت بعدها وعملت مُدرساً فيها، أطبق معلوماتي وتجاربي في الحقل الدراسي، مضيفاً: دراستي تعادل الشهادة الثانوية أو تزيد من حيث المحصول الدراسي.

بعد عنيزة كانت لعثمان الصالح طموحات وآمال بأن تكون بلدته المجمعة فيها مدرسة نظامية يتلقى فيها شبابها العلم على المنهج المقرر الحديث، ورجع إليها، وأصبح من تلاميذ الشيخ عبدالله العنقري، ودرس عليه الفقه والتوحيد على الطريقة القديمة؛ التلميذ يقرأ على شيخه متن من المتون العلمية، والشيخ يوضح العبارات والألفاظ المبهمة في المتن ويصور المسائل الفقهية.

تحقق ما يصبو إليه الصالح وما كان يفكر فيه وما يتمناه، وهو فتح مدرسة أهلية على الطريقة الحديثة، وذلك عام 1354هـ، حيث جمع المال من الأهالي لأجل إعداد هذه المدرسة، وتبرع أحد المواطنين بمكان للمدرسة وتم فتحها وانتظم فيها ستون طالباً.

وكيل مدرسة

في عام 1356هـ افتتحت أول مدرسة حكومية، وكان مديرها سليمان بن أحمد، وكان عثمان الصالح – رحمه الله – أول مُعلم فيها – كما يذكر في سيرته الموجزة التي نشرها في صحيفة الجزيرة -، ثم بعد ذلك أصبح معاوناً – وكيلاً – لمدير المدرسة، وهذه الترقية كانت عام 1358هـ تعد مرتبةً عاليةً في ذاك الزمن، بدأت سيرة الصالح في الريادة التعليمية من عنيزة ثم المجمعة وبعدها وهي المحطة الأخيرة الرياض، وفي عام 1358هـ درّس الصالح أنجال الأمير عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود، وبقى مدة من الزمن، وبعدها سافر إلى الجبيل عند بعض أقربائه ومكث فيها سنتين كما حدثني ابنه الفاضل بندر الصالح.

معهد العاصمة

وجاءت عثمان الصالح – رحمه الله – برقية من الملك سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – عندما كان ولياً للعهد بالحضور فوراً إلى الرياض، فلبى الأمر، فكان أستاذاً ومعلماً لأبناء الملك سعود، وكانوا ما يقارب خمسة عشر طالباً، وتتكون المدرسة من أربع فصول.

ووصف عثمان الصالح ذلك بالنواة الأولى لمعهد الأنجال، قائلاً: ابتدأ بخمسة عشر طالباً أو أقل في الابتدائي، وانتهى ببضعة آلاف، وألغيت فيه الدراسة بالألواح الخشب ليكون معهداً ومدرسة حديثة بفرعين للبنين والبنات على منهج واختيار وزارة المعارف، وكذلك معهد الكريمات الذي استمر أربعة عشر عاماً تمت فيه المراحل الأربع؛ الروضة، الابتدائي، المتوسط، الثانوي، بعد ذلك انتقل إلى رئاسة البنات منفصلاً عن المعهد الذي تم تغيير اسمه بعد ذلك من معهد الأنجال إلى معهد العاصمة النموذجي، وكان لعثمان الصالح شرف تسميته، وبقي في إدارته إلى أن قدم استقالته وتقاعد عام 1391هـ.

خبرة عميقة

هذه خلاصة الخلاصة عن جهود عثمان الصالح -رحمه الله- التربوية والتعليمية خلال أربعة عقود من الزمن أو أكثر، أثبت رحمه الله كفاءته الإدارية والتعليمية في هذه السنوات الطوال، وكانت له نظريات في التربية والعملية التعليمية من جراء الخبرة العميقة في ميدان التربية، مع أنه لم يدرس كتب التربية الحديثة، لكنه امتلك حصيلة ضخمة من التجربة في الميدان التربوي، تراكمت عبر السنوات، وجلب أساتذة مهرة لمعهد الأنجال -معهد العاصمة فيما بعد-.

وأذكر أنني سمعت عثمان الصالح في منزل الأديب حمد الحقيل -رحمه الله- يتحدث عن مشكلة سلوكية لأحد الطلبة، وأنه قام بحلها بأسلوب سلس وحكيم، فالصالح منحه الله العقلية الراسخة الحكيمة، وكان حازماً مع التلاميذ لا يمكن أن يتهاون بأي تقصير سلوكي أو تعليمي، وهو مشهود له بذلك، قوي الشخصية مهاب أمام التلاميذ وقبلهم الفريق التعليمي والإداري، وكانت القيادة العليا تدعمه بجميع أنواع الدعم، ولولا ثقتهم فيه وحسن ظنهم الكبير به لما كان هذا الدعم، فهذا معهد العاصمة الذي يعد إحدى المؤسسات الكبرى التعليمية في هذا الوطن، كانت بدايته بضع أعداد من الطلبة من أنجال الملك سعود، أصبح مع مرور الزمن وبدعم من القيادة العليا وجهود الصالح مؤسسة تعليمية للبنين والبنات، فهذا من توفيق الله -عز وجل- لشخصيتنا، فالمعهد تاريخ وطني من التعليم في بلادنا وخصوصاً في مدينة الرياض.

منتدى عفوي

وتحدث بندر بن عثمان الصالح عبر لقاء ممتع ومفيد في منزله عن تاريخ وسيرة الاثنينية التي أسسها المربي والأديب والرائد عثمان الصالح قائلاً: إن الوالد كانت له جلسات شبه يومية قبل هذه الاثنينية في منزله القديم والجديد الذي استقر به أخيراً، وكانت عبارة عن منتدى عفوي يحضره الكثير من أصدقاء الوالد وتلاميذه ومعارفه الكثر، ويطرح فيه أنواع من الأدب وضروب من أنواع الفكر وشؤون الثقافة والنواحي الاجتماعية، واستمر سنوات، فالوالد كان مجلسه مفتوح من بعد صلاة العصر حتى أذان العشاء، كان يواظب على حضور صالون الأديب والكاتب عبدالعزيز الرفاعي، ويحرص أن لا يفوته هذا الصالون الأدبي منذ تأسيسه، ويشارك فيه بكلمات ومداخلات حسب الموضوع المطروح، وعندما توفي الرفاعي عام 1414هـ قال لي الوالد: بودي أن تكون هناك جلسة مخصصة أسبوعية ثقافية اجتماعية تكون في منزلي، وفعلاً رتبت المكان وحدد الزمان بعد موافقة الوالد بأن يكون يوم الاثنين في المساء واختيار الضيف الذي سوف يتحدث والدعوة عامة، وبذلت جهداً غير عادي في إعداد المكان في منزل الوالد في وقت قياسي جداً، وبعد انتهاء الندوة تقام مأدبة عشاء مستمرة للضيف والحضور، وقمت باختيار مقدم للضيف، حيث يكون له تجربة سابقة إعلامياً، وبتوفيق الله عز وجل كان النجاح والتيسير لإعداد هذا الصالون الثقافي، وأصبح ذا شهرة إعلامية في العاصمة الرياض وفي مدن المملكة، كنت أتواصل مع الضيف والذين تكون لهم دعوة خاصة بالفاكس وعبر الهاتف الثابت ثم الجوال، وكان هناك لجنة استشارية غير رسمية تتكون من د. عبدالرحمن الشبيلي وحمد القاضي وعبدالله المعلمي ود. إبراهيم أبوعباة ود. محمد الفاضل.

حضور كبير

وبيّن بندر بن عثمان الصالح أن برنامج الأثنينية يبدأ بتقديم الضيف عن طريق المذيع محمد خيري، ثم تلاوة القرآن الكريم، ثم كلمتي وأنا المشرف العام، ثم بعد ذلك الضيف يتحدث، كان بداية الحضور مشجع جداً فقد كان 400 شخص ثم لما اشتهرت الاثنينية ازداد الحضور وكان يحضرها الكثير من الصحفيين، والتلفزيون يغطيها وهي مسجلة ومصورة عندي، مضيفاً: ولله الحمد خدمت هذه الاثنينية إعلامياً بشكل مكثف، ثم غيّرنا مكانها في مكان أرحب وأوسع يتسع لــ850 شخص تقريباً، ومن أبرز الضيوف صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الوليد بن طلال بن عبدالعزيز، والشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ومحمد بن جبر، والأديب عبدالله بن خميس، ود. محمد الرشيد -وزير التربية والتعليم السابق-، وكانت هناك أسئلة ومداخلات من الحضور، واستمرت هذه الاثنينية حتى وفاة الوالد عام 1426هـ، وقد بدأنا استئنافها بعد مضي 18 عاماً على توقفها، وكانت هذه الاثنينية من أشهر الصوالين الأدبية في مدينة الرياض، وكانت تأتينا آراء ومقترحات من الحضور عبر الفاكس وكانت مُثرية..

وبعد حياة زاخرة بالتعليم والتدريس، رحل عثمان الصالح عن هذه الدنيا عام 1426هـ، وكان رحمه الله يقول: الصفة التي اعتز بها مُعلم قديم ومُربي، وأنعم بهما من صفتين عظيمتين فشخصيتنا تخرجت على يديه أجيال كثيرة.

وفي الختام أشكر بندر بن عثمان الصالح على تزويدي بهذه المعلومات عن والده وعن هذه الاثنينية التي بذل فيها جهداً ملموساً وظاهراً للعيان حتى نجحت إعلامياً وثقافياً.