طَفَرَتْ من عينَيَّ الدموع أمام قبر صديقي وأخي وزميلي الدكتور عبدالرحمن الشبيلي حين أُهيل التراب على القبر وارتفعت الأصوات بالدعاء وتزاحمت الجموع المحيطة بالقبر لاقتناص اللحظة الوداعية الأخيرة وإلقاء نظرة على المشهد الحزين، فقد كان الحزن ثقيلاً وأكبر مما يمكن احتماله حين تحلَّقنا ظهر يوم الأربعاء 31 يوليو 2019 حول قبر أبي طلال في مقبرة الشمال بالرياض بعد أداء الصلاة على الراحل العزيز.
حزنٌ وذهولٌ وعدمُ تصديق أن يحدث كل هذا بتلك السرعة، فقبل رحيله بيوم واحد كان أبو طلال يتحفنا برسائله النابضة بالحياة وبالجميل مما يبدعه ومما ينتقيه ويعيد إرساله إلى أصدقائه في مجموعة «أحدية الشورى» التواصلية التي تضم مجموعة من الزملاء الذين جمعتهم زمالة مجلس الشورى والاهتمامات المتقاربة وأحدية الشبيلي، حيث يلتقي الزملاء في منزله وقت الضحى من كل يوم أحد فيفيض عليهم من كرمه وحميميته ويلقاهم بالترحيب وبالابتسامة التي لا تفارق محياه.
جرت العادة أن تتوقف مجموعة الأحدية عن اللقاء عندما يحل الصيف ويتفرق أعضاؤها في إجازاتهم السنوية، وكان أبو طلال يعود من إجازته الصيفية وقد أنجز كتاباً جديداً أو بحثاً أو مشروعاً فكرياً فقد كان يقضي إجازته في منزله بباريس ويستثمرها في الكتابة الجادة المُرَكَّزة، حيث يتخفف من الأعباء الاجتماعية التي تحاصره في الرياض ويتفرغ لإنجاز مشاريعه الكتابية المؤجلة أو ما كان يزود به الصحف من مقالات بين الحين والآخر.
وكالعادة توقفت الأحدية بحلول إجازة صيف هذا العام، وغادرنا أبو طلال إلى باريس. وفي حين كان المؤمل أن يعود أبو طلال مع نهاية الإجازة وقد قطع شوطاً في إنجاز مشروعه التوثيقي الكبير عن محطات مهمة من تاريخ الإعلام السعودي ورجالاته، فإن هذه الآمال تحطمت وتبعثرت حين دهمتنا الأخبار المزلزلة صبيحة يوم الأحد 28 يوليو 2019 عن الحادث الذي وقع له – رحمه الله- في منزله في اليوم السابق، ثم الأخبار التي توالت علينا كالصواعق حتى تأكدت وفاته – رحمه الله- بعد إدخاله إلى المستشفى التخصصي بالرياض!
أجل، فقد رحل أبو طلال بعد أيام ٍثلاثةٍ سوداء من الترقب القاتل والانتظار المضني تأرجحت خلالها مشاعرنا بين اليأس والرجاء حتى قُطع الشك باليقين رغم صعوبة استيعاب وتصديق ما جرى! وبرحيل أبي طلال سوف تتغير أشياء كثيرة!
لقد كان أبو طلال حلقة الوصل بين الكثير من الأصدقاء وكان منزله هو المكان الذي يلتقون فيه ويتناقشون في قضايا المجتمع والثقافة والفكر ويتبادلون الأخبار الشخصية ويتواصلون فيما بينهم.
ومثل الكثيرين ممن كتبوا وتحدثوا عن أبي طلال ممن ربطتهم الزمالة بالفقيد العزيز أو من تعرفوا عليه أو جمعتهم به المناسبات أو المصادفات، فقد جمعتني به – رحمه الله- صداقة وزمالة تربو على ربع قرن من خلال عضويتنا في مجلس الشورى ومجلس أمناء مؤسسة حمد الجاسر الخيرية ومجلس إدارة مركز عبدالرحمن السديري الثقافي و«أحدية الشورى» والرحلات العديدة الرسمية والشخصية، وكان أبو طلال على مدى تلك السنوات الطويلة نموذجاً في حسن التعامل والسلوك والاستقامة والوفاء.
لقد شاءت قدرة الله أن تأتي وفاة أبي طلال – رحمه الله- بعد خمسٍ وعشرين يوماً من وفاة والدي الذي انتقل إلى رحمة الله بتاريخ 6 يوليو 2019، فنُكِئتْ الجراح التي لم تكن قد اندملت بعد! وأقسم بالله، صادقاً، أن أبا طلال كان أول من هاتفني معزياً في وفاة والدي صبيحة يوم وفاة الوالد – رحمه الله-، فقد انتبهت في حوالي الساعة العاشرة صباحاً على صوت الجوال فإذا بالمكالمة تأتي من أبي طلال من مكان إقامته في باريس معزياً ومواسياً وذلك قبل الصلاة على الوالد وقبل دفنه! فلم أتعجب من مبادرة أبي طلال ولم أسأله كيف عرف عن الخبر بهذه السرعة مثلما سألني من كان حولي عندما علموا بأمر المكالمة، فهذا هو أبو طلال المبادر الوفي الذي يُطِلُ عليك من حيث لا تدري في اللحظة التي تحتاج إليه! وقد كان أبو طلال دائم السؤال عن الوالد، وسبق أن زاره بمنزله في الجوف حينَ شارك في أحد المنتديات فلم يكتف بلقائه مع الزملاء الكرام الذين حضروا من الرياض للمشاركة في فعاليات المنتدى وشرفونا بزيارة للمنزل وإنما طلب أن يزوره ثانيةً في لقاء خاص على انفراد مع الوالد وأشقائي رغم ضيق وقت أبي طلال، وقد أصر على ذلك وتم اللقاء الذي سوف تخلده ذاكرتي لأنه جمع بين راحِلَين يحتلان أعلى مكانة في القلب شاء الله سبحانه أن يرحلا في وقتين متقاربين! وقد لاحظت في رحلاتي العديدة مع أبي طلال حرصه – رحمه الله- على زيارة أقاربه ومعارفه خلال رحلاته مهما كان الوقت ضيقاً، فخلال الأشهر الأخيرة ترافقنا في رحلة إلى الدمام تلبية لدعوة من غرفة الشرقية بمناسبة مرور خمسين عاماً على صدور مجلة الاقتصاد فأصر على زيارة بعض أقاربه في الشرقية رغم كثافة الجدول الرسمي للفعالية التي جئنا من أجلها، ورحلة أخرى إلى المدينة المنورة تلبية لدعوة من معالي الأستاذ إياد مدني لحضور جائزة أمين مدني فأصر على زيارة بعض أقاربه في المدينة وزيارة أحد زملائه القدامى في الحقل الإعلامي السيد خالد حمزة غوث شفاه الله حتى كاد أن يصل متأخراً إلى حفل الجائزة!
ما أكثر الحكايات والقصص والذكريات مع أبي طلال، ولن يتسع حيز هذا المقال لرواية أقل القليل مما أعرفه عن فضله ونبله وجمال روحه وحسن معشره ومواقفه الإنسانية وثقافته العالية وإنجازاته الفكرية والأكاديمية والإعلامية وخبراته الإدارية في وزارة الإعلام ووزارة التعليم العالي وإسهاماته كعضو في مجلس الشورى وفي العديد من اللجان والهيئات والمؤسسات والجمعيات، وأرجو أن أتمكن من ذلك في مكان آخر ووقتٍ غير هذا الوقت إن شاء الله.
رحم الله أبا طلال وأسكنه فسيح جناته، وأتوجه بالعزاء لأسرته الكريمة، ولأصدقائنا المشتركين في «أحدية الشورى» وخارجها، وللزملاء من الأسرة الإعلامية والوسط الثقافي وكل محبي الراحل العزيز.
وداعا يا عبدالرحمن الشبيلي .. يا رمز الوفاء والنبل
د. عبدالواحد الحميد - مجلة اليمامة - 8 أغسطس 2019