عرفته من خلال شاشة التلفزيون عند بدايات بثه من الرياض، وانقطع لانتقاله فيما بعد من وزارة الإعلام إلى وزارة التعليم العالي، وبدأ يكتب في الصحافة، ولكن علاقتي الحقيقية بدأت معه منذ عرفت طريقي إلى خميسية الشيخ حمد الجاسر بالرياض قبل عقدين من الزمن، فتوثقت علاقتي به فوجدت فيه من محاسن الأخلاق واللطف في التعامل واحترام الآخرين، وتباسطه في الحديث، وتواضعه الجم، وحبه للخير، ومبادراته الاجتماعية والإنسانية، ما حببه للكثيرين، فلم أجد أو أسمع يوماً من ينتقده أو يقلل من قيمته فهو يحظى بحب وتقدير الجميع بلا استثناء.
عرضت عليه فكرة تسجيل التاريخ الشفهي الذي تقوم به مكتبة الملك فهد الوطنية فأشاد بالفكرة فدعوته للمشاركة فلبى الدعوة.. وعلى مدى ثلاث جلسات سجلت معه تسع ساعات في أيام 2/ 3-9/ 3-12/ 3/ 1425هـ. واستعرض المحطات المهمة في حياته، فبهرني بمعلومات دقيقة ومرتبة، فطلبت منه تدوينها ليستفيد منها الجميع فتمنع، وقال إنه لم يفكر بهذا فهو مشغول بالكتابة عن الرجال الأوائل الذين بدؤوا المجال الإعلامي المبكر بالمملكة وبالذات من كان لهم دور في تأسيس المملكة.
ومن الصدف أن يكون كتابه (مشيناها) هو آخر ما صدر له قبيل وفاته – رحمه الله- بأشهر.
يقول في مقدمة (مشيناها.. حكايات ذات) أنه تردد كثيراً قبل أن يكتب ترجمة لحياته رغم دعوات الكثير له، بدعوى أن ليس لديه ما يستحق الكتابة، وأنه يتحفظ عن البوح ببعض المواضيع الحسّاسة، وقد تكررت دعوات الأصدقاء الذين قالوا له: اكتبها واتركها للزمن، فكتبها بلغة الغائب (صاحبنا) أو (الفتى).
قال إنه لم يلج عالم الكتابة قبل عام 1412هـ/ 1992م؛ إذ إنه لم يعترف ببداياته معها، والتي ذَكّرتُه بها في جريدتي (أخبار الظهران) عام 1376هـ واليمامة في 10/ 5/ 1380هـ بعنوان: (مقابر عنيزة)، – وهو ما زال طالباً – بكتابي (بداياتهم مع الكتابة)، وقال إنه بدأ يهتم بالتوثيق «.. فوجد به عالماً شائقاً من ناحية، وسياحة تسد فراغاً في المشهد الثقافي من ناحية أخرى..».
ولكنه مع ذلك «.. بدأ في مطلع رمضان 1438هـ يونية 2017م بتدوين سطور هذه الحكايات واختتمها في نحو عام ونصف العام مع اهتمامه بتعزيز المعلومة بالوثائق، إلا أنه فضل الخروج بهذه الحكايات عن طابع الجفاف العلمي والهوامش الصارفة للنظر، فأثر إضفاء السلاسة والعفوية على مقروئيتها، وكان يتمنى أن تخرج في شكل رواية، لكنه يفتقر إلى العناصر والأدوات الفنية لكتابتها..».
فاستقر رأيه على تسميتها (حكايات ذات)، مستعرضاً أبرز ما مر به في محطات حياته الخمس (الدراسة 15 عاماً، الإعلام 14 عاماً، التعليم العالي 17 عاماً، مجلس الشورى 12 عاماً، النشاط الثقافي الاجتماعي 12 عاماً حتى تاريخه).
وقال إنه يؤمن بالحكمة القائلة: (ما خاب من استشار)؛ ولهذا فقد طلب مشورة من يركن إلى رأيهم، وذكر أسمائهم وشكرهم على ما أضفوه على المحتوى.
ولد في 7/ 10/ 1363هـ، 23/ 9/ 1944م بمنزل طيني صغير بسوق (المعثم) في مدينة عنيزة، وكان من صغره يجالس والده ويساعده بدكانه المتواضع في سوق المسوكف لبيع التمر والحبوب بالتجزئة، وكان (صاحبنا) حتى تجاوز الخامسة عشرة يساعد والده في غير وقت الدراسة، فيتواصل مع الزبائن، ويحرس البسطة وقت غياب الوالد للقيلولة أو لصلاة الظهر، وقد جرب البيع بدكان صغير مجاور لوالده ولكنه فشل وقفله.
تزوج والده صالح بن عبدالله الشبيلي من والدته فاطمة عام 1345هـ 1926م والتي يقول إنها تروي نتفاً مما تذكره عن ديرتها (إسطنبول) والقطار الذي أقلها وقت الحرب الأولى مع خالها، وتتذكر المرور بالقريات.. وقال إنها نسيت مفردات لغتها الأصل. وقال: «لم يوثق أحد من الباحثين الظروف التي أتت بأمثال هؤلاء النسوة من بلادهن، حتى تحوّل بعضهن قسراً في مجتمعاتهن الجديدة إلى جوارٍ يتاجر بهن، مع أنهن في الأساس أحرار مختطفات أو سبايا حروب، والأحسن حظاً فيهن من لقين الاحترام وأصبحن زوجات معززات، لكن أغلبهن انفصمن كلياً عن بيئتهن الأصل، وصار يطلق عليهن نعوتاً تعميمية مثل: تركيات أو أرمنيات أو شركسيات، أو كرجيات..»، وقال إن والدته «.. أندمجت بمقدرة عجيبة في المجتمع الجديد بلكنته القصيمية وعاداته.. وأجادت الأكلات والحلويات الشعبية … مع أنها كانت في الأصل نازحة من تركيا في إثر الحرب العالمية الأولى أو حرب الأتراك والأرمن، وقدمت إلى الجزيرة العربية مع عدد من بنات جنسها.. لم يكن لدى بعضهن من المعلومات ما يكفي للاستدلال على أسرهن بسبب صغر السن..»، وقال إن أشقاءه الثمانية يتمنون الحصول من ذاكرة الوالدة على طرف الخيط الموصل إلى أخوالهم وخالاتهم من أهلها .. فلم يفلحوا.
دخل المدرسة العزيزية في الخامسة من عمره مرافقاً لشقيقه عبدالله الذي يكبره بسنة، قال عن نفسه: (لم يكن كاتب هذه الحكايات نابهاً ولا متوقد الذهن، ولا متميزًا في دراسته لكنه كمعظم لداته منضبط المواعيد مثابر وخجول ومسالم، وكان لصغر سنه محدود الصداقات يغلب عليه الإنزواء..» ص75.
بعد إكماله الثانوية بالمعهد العلمي بعنيزة وهو في السادسة عشرة من عمره انتقل للعاصمة الرياض للدراسة في كلية اللغة العربية عام 1379هـ، وتعلم في دورات مسائية اللغة الإنجليزية، ما ساعده على نيل شهادة الثانوية العامة لنظام وزارة المعارف وهدفه الوصول إلى الجامعة، وأصبح يجمع في دراسته بين كلية اللغة العربية والجامعة، فكان يخرج من الكلية ليلحق بالدرسين الأخيرين من كلية الآداب، وهكذا بالنسبة للامتحانات، تخرج عام 1383هـ 1963م في كلية اللغة العربية وفي العام التالي من جامعة الملك سعود..
رشح (صاحبنا) من قبل كلية اللغة العربية للالتحاق بوزارة الإعلام الجديدة التي أنشئت عام 1382هـ فعمل بالإذاعة بجدة وانتقل معها للرياض بعد أشهر، وبعد ثماني سنوات وصل إلى وظيفة قيادية فاختار تخصص الإعلام في الدراسات العليا، وقبلها أوفد لتغطية مؤتمر القمة العربي الثاني بالإسكندرية ثم مؤتمر عدم الانحياز في القاهرة عام 1964م.
وقال إن التلفزيون بدأ البث مدة ساعة بين صلاتي المغرب والعشاء من الرياض وجدة في 19/ 3/ 1385هـ/ 17/ 7/ 1965م ثم بدأ إحداث برامج جديدة ومدد وقت البث تدريجياً، وقال إن المرأة بدأت المشاركة بصوتها «.. وفي صيف عام 1394هـ – 1974م كانت هدى عبد المحسن الرشيد المذيعة في إذاعة جدة ثم في إذاعة لندن، في زيارة للرياض وقدمت نشرة الأخبار على التلفزيون هي الأولى في تاريخه ولم يكن لها ردة فعل تذكر..» ص133 وأول أغنية سعودية نسائية على التلفزيون للمطربة المعروفة عتاب من إخراج سعد الفريح عام 1396هـ، وقد كان صاحبنا مديراً عاماً للتلفزيون من عام 1966م حتى ابتعاثه عام 1967م لشهادة الماجستير في الإعلام من جامعة كانساس بأمريكا عام 1388هـ 1968م ثم الدكتوراه في الإعلام من جامعة ولاية أوهايو/ 1391هـ/ 1971م انتهى عمله بالإعلام عام 1397هـ/ 1977م بعد أربعة عشر عاماً قضاها في العمل الإعلامي.. وكان إلى جوار والدته بالرياض بعد وفاة والده عام 1392هـ والتي توفيت بالمستشفى التخصصي بالرياض في 12/ 2/ 1401هـ / 19/ 12/ 1980م بعد مرور تسع سنوات على وفاة والده. وكان قد تزوج قبل بعثته للماجستير من زكية بنت عبدالله أبا الخيل رزق منها ابنه الوحيد طلال وابنتاه رشا وشادن.
انتقل عام 1397هـ / 1977م لوزارة التعليم العالي. وكان قبل ذلك محاضراً بقسم الإعلام بجامعة الملك سعود من عام 1392هـ/ 1972م فبدأ رحلة التأليف بكتاب (الإعلام في المملكة العربية السعودية دراسة وصفية توثيقية تحليلية) صدر عام 1420هـ/ 2000م أحد الكتب المرجعية في القسم. وكان في عمله وكيلاً لوزارة التعليم العالي وأميناً عاماً للمجلس الأعلى للجامعات.
انتقل لعضوية مجلس الشورى في دورته الأولى عام 1414هـ/ 1994 بعد أن أمضى سبع عشرة سنة في وزارة التعليم العالي التي قال عنها: «.. بعد أن اكتسبت خبرة ثرية في أنظمة الجامعات ولوائحها، وقطف صداقات عزيزة مع عدد من أعضاء هيئة التدريس في مختلف الجامعات السبع..».
وشارك في كثير من اللجان والمؤتمرات الخاصة بالإعلام والتعليم العالي ومن أهمها: المجلس الأعلى للإعلام من عام 1401هـ / 1981م حتى إلغائه عام 1424هـ/ 2003م عضوية مجلس الشورى لثلاث دوراته الأولى. عضويته لمجلس أمناء الشركة السعودية للأبحاث والنشر. ومدير عام مؤسسة الجزيرة الصحفية. وعضوية اللجنة العلمية لمركز حمد الجاسر الثقافي، وعضوية مجلس إدارة مؤسسة عبدالرحمن السديري الاجتماعية في الجوف والغاط، وغيرها.
لقد رحل – رحمه الله- يوم الثلاثاء 27 ذي القعدة 1440هـ الموافق 30 من يوليو 2019م بمدينة الرياض بعد نقله بالإخلاء الطبي من باريس بعد إصابته بإغماءة، وقد ترك لنا كثيرًا من الأعمال الثقافية الإعلامية.
وترجم له في موسوعة الشخصيات السعودية، مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر. ط2، ج1. قالت:
ولد عام 1363هـ 1943م بعنيزة، تلقى تعليمه الابتدائي حتى الثانوي بها، بكالوريوس آداب قسم لغة عربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1383هـ، 1963م. بكالوريوس آخر في الآداب قسم الجغرافيا من جامعة الملك سعود بالرياض 1385هـ، نال الماجستير في الإعلام من جامعة كانساس الأمريكية 1389هـ – 1969م، والدكتوراه في الإعلام من جامعة أوهايو الأمريكية 1391هـ 1971م. أسهم في تأسيس أول إذاعة بالرياض 1384هـ، 1964م، وأول محطة تلفزيون بالرياض في العام التالي، عين مديراً عاماً للتلفزيون 1391- 1397هـ، عمل أستاذاً للإعلام بجامعة الملك سعود 1393- 1403هـ، شغل منصب وكيل وزارة التعليم العالي، وأمين عام المجلس الأعلى للجامعات 1403- 1414هـ ثم تقاعد. فعين عضواً بمجلس الشورى 1414هـ حتى 1426هـ، عضو المجلس الأعلى للإعلام 1400هـ 1980م. شغل عضوية مجالس الجامعات السبع، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الجزيرة للصحافة والنشر 1417 – 1421هـ .. إلخ.
ترجم له في موسوعة رواد الإعلام السعودي، جاسم الياقوت، ط1، 1431هـ. أول سعودي يحصل على درجة الدكتوراه في الإعلام… أسهم في تطوير البرامج والابتعاث والتدريب وإنشاء المحطات التلفزيونية على مستوى المملكة، ثم عمل أستاذاً للإعلام بجامعة الملك سعود.
كان رحمه الله محبوباً وودوداً لم أعرف مثيلاً له في حلمه وورعه وسعة صدره وتحمل كثيراً من المآسي والحوادث الشخصية والعامة… بيته مفتوحاً للجميع، حضرت مرات مع لقاءات ضحى أيام الأحد في منزله بزملائه أعضاء مجلس الشورى القدامى، وسافرت معه إلى عنيزة وإلى البنان وقابلته بالقاهرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2019م حيث كرم في جناح المملكة بحضور رفيقة دربه أم طلال، ورفض فكرة التكريم واستبدلها بإلقاء محاضرة عن أحد مستشاري الملك عبدالعزيز الشيخ الأزهري حافظ وهبة.
كان – رحمه الله- لا يحب الأضواء ولا المديح رفض إقامة ندوة لتكريمه في مركز حمد الجاسر الثقافي عام 1439هـ بعد منحه وسام الملك عبدالعزيز في الجنادرية، وبعد إلحاح اقتنع، وكان قد سبق أن رفض فتح ملف عنه في ملحق الجزيرة الثقافي (المجلة الثقافية) رغم رجا صديقه الدكتور إبراهيم التركي.
آخر ما صدر له مذكراته (مشيناها) قبل أشهر يقول إنه اعتنى بتصحيحها وتعديل طباعتها لأكثر من 14 مرة ولهذا نجده يشكر مسؤولي المطبعة لسعة صدورهم. قرأتها لم ِأجد بها أي نقد أو انتقاد أو ذكر أي شخص بسوء ولو بالهمز واللمز. كان حريصاً على القيام بالواجب العام والخاص مهما بعد المكان في حالة الفرح والترح وكثيراً ما يفتح بيته لتقبل العزاء في الآخرين. ففيه تجتمع الصفات الحميدة – رحمه الله.
درس وتخرج من كليتين في وقت واحد وكتب سيرته بلغة الغائب
محمد القشعمي مجلة اليمامة 08/8/2019