افتتاحية العدد 65 من مجلة الجوبة


يفجعنا الرحيل المفاجئ لمن نحب ونعرف عن قرب، هذا بالرغم من إحاطتنا بالموت من كل
جانب، ونحن نرى عن قرب أيضا أقارب وأعزاء لنا وأحباب لأهليهم ولأصدقائهم يتزاحمون على
مقابر الموتى لحجز أماكنهم باكرا.

كنا نظن أنهم عاشوا طويلا، وعندما يفجعنا غيابهم نكتشف كم كنا مخطئين، وأنهم لم يلبثوا
إلا قليلا، وأن بقاءهم كان يضيء طريقنا، و أن رحيلهم يعجّل مرور الأيام.
من هؤلاء الذين افتقدناهم مؤخرًا، وكان غيابهم موحشًا ومفاجئًا، الدكتور عبدالرحمن الصالح
الشبيلي الذي كان أحد مداميك مركز عبدالرحمن السديري الثقافي، وكان حضوره بارزًا ومؤثرًا
في الساحة الثقافية في المملكة العربية السعودية.
ارتبط أبو طلال -عبدالرحمن الشبيلي- في سنواته الأخيرة بمؤسسة عبدالرحمن السديري
الخيرية، وتوطدت علاقته بها، وكان أحد أبرز وجوه منتدى الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات
السعودية في سنواته الأخيرة.
كان الشبيلي متميزًا في كتاباته للسِّيَر، وللمقالات، وفي قراءاته للكتب، ومشاركاته في مختلف
الفعاليات، وقد كان الحضورُ لمنتديات الأمير عبدالرحمن السديري للدراسات السعودية يُنصت
بشكل مختلف عندما يبدأ الشبيلي بإلقاء كلمته التي عوّد جمهور المنتدى على إلقائها، ولذا فإن
الكثيرين سيفتقدونه، ومنهم هذا المنتدى الرائع.
كانت سيرة الشبيلي حافلة وثرية، وبقدر ما كان فيها من عمق وتجربة.. فقد كان وفيًا مع
ثرائها، فأفرغ كثيرًا من ذاكرته وتجربته في كتاباته التي نثرها في مقالاته ومؤلفاته، وآخرها
كتاب “مشيناها ” لسيرة جميلة وأمينة كادت أن تأخذ صاحبها إلى كتابة الرواية التي تمنّى امتلاك
ناصيتها، ولكنه آثر تسميتها “حكايات ذات” مستعرضًا أبرز ما مرّ به في مراحل حياته.

بدأت قصة عبدالرحمن الشبيلي في مدينة عنيزة بالقصيم عام 1943م، حيث وُلد فيها من
أبوين هما: صالح الشبيلي، وفاطمة، الفتاة القادمة من تركيا، التي تزوجها والده عام 1926م،
وبقي في مسقط رأسه حتى إكمال دراسته الثانوية، ثم انتقل إلى الرياض حتى أنهى دراسته فيها
عام 1963م، والتحاقه بوزارة الإعلام وبروزه كمذيع وإعلامي معروف، ومواكبته لبدايات الإذاعة
والتلفزيون، ثم سفره إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة الماجستير عام 1969م، ومن ثم
إنجاز الدكتوراه في أمريكا عام 1971م.
تولى الشبيلي مناصب عديدة في وزارة الإعلام، ثم انتقل إلى وزارة التعليم العالي ومارس العمل
الأكاديمي والتأليف، ثم عُين عضوًا في مجلس الشورى من العام 1994م وحتى العام 2005 م.
كانت حياته حافلة بالإنجازات الثقافية، والجوائز التقديرية، كما كان من الشخصيات التي لها
حضور ثقافي مرموق، ولها تقدير عالٍ، وكان يحظى قلمه بالاحترام والتقدير من كافة الصحف
المحلية، فقد كانت تبرز كتاباته في مواقع لها أهمية بارزة ، كما أنجز رحمه الله أكثر من ثلاثين
كتابًا خلال مسيرته، منها: الملك عبدالعزيز والإعلام، ركائز التنمية السياسية في فكر الملك
عبدالعزيز، فصل من تاريخ وطن وسيرة رجال )عبدالرحمن بن أحمد السديري أمير منطقة
الجوف( بمشاركة نخبة من الباحثين، التجربة الشورية في المملكة العربية السعودية بين الإطار
والتطوير، إبراهيم العنقري، عبدالله بن خميس، عنيزة وأهلها في تراث حمد الجاسر، حديث
الشرايين، جريدة الدستور البصرية والشؤون السعودية والكويتية فيها، سوانح وأقلام في السياسة
والثقافة والإعلام، محمد أسد.. هبة الإسلام لأوروبا، مجلس الشورى.. قراءة في تجربة تحديثه
)بالمشاركة مع آخرين(، خالد بن أحمد السديري، تأسيس المملكة العربية السعودية بأقلام 60
مؤرخا، وأخيرًا كتاب سيرته )مشيناها: حكايات ذات(.
وقد توفي الشبيلي رحمه الله مساء الثلاثاء 28 ذو القعدة 144 0 ه ) 30 يوليو 2019 م(، بعد
بضعة أشهر من إنجازه لسيرته التي أسماها “مشيناها”.
والجوبة إذ تنشر محورًا خاصًا بالراحل الكبير رحمه الله، فهي تحاول استعادة ذكراه، وفاءً
لما قدّمه لوطنه ولمركز عبدالرحمن السديري الثقافي، وكما قال الدكتور زياد بن عبدالرحمن
السديري “إننا جميعًا في المركز سنفتقد الكثير بعد رحيل أبي طلال، كما سيفتقده المتابعون
والمستفيدون من أعماله ومناشطه..”. وكما كتب الدكتور عبدالواحد الحميد في العدد 64 من
الجوبة “إن أسرة مركز عبدالرحمن السديري الثقافي تشعر بشكل خاص بمرارة الفقد، فعلى مدى
سنوات طويلة ماضية وإلى يوم رحيله المؤلم الحزين.. كان د. عبدالرحمن الصالح الشبيلي شعلة
من النشاط ضمن أسرة هذا المركز، وبهذا الرحيل المفاجئ الصاعق تشعر أسرة المركز أن ركنًا
ركينًا من أركانه قد هوى، تاركًا في قلوب محبيه داخل المركز وخارجه فراغًا موحشًا يصعب ملؤه.

ابراهيم بن موسى الحميد - مجلة الجوبة