زارنا مرتين، وزرناه مرتين إحداهما بعد وفاته. المرة الأولى التي زارنا فيها الدكتور
عبدالرحمن بن صالح الشبيلي كانت في مركز معلومات عكاظ قبل أكثر من اثني عشرَ
عاماً. كان الشبيلي ملء السمع والبصر، فقد كان عضوا في المجلس الأعلى للإعلام
برئاسة الأمير نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، والعديد من رجالات الإعلام. وكانت له
مناصب عليا في التلفزيون السعودي وفي جامعة الملك سعود بالرياض.
في المرة الثانية شرفني بزيارة في منزلي.
وأهداني نحو عشرة من كتبه. وشدني في إهدائه
أنّ خطه جميل جدا. وددت لو أني سألته مَن
علَّمه هذا الإبداع في خط الرقعة. وقد فات وقت
السؤال كما فات وقت الجواب. قال لي خلال
زيارته هذه إن أحد أجداده كان فقيهاً، وقد راوده
الحاكم في القصيم على تولي القضاء فأبى، وقال
تريدون أن تضعوا الشبيل )القيد( في يدي أمام
الله يوم القيامة؟ لا أقبل. فلذلك سمي الشبيلي.
وبقي هذا الاسم في ذريته من بعده رحمه الله.
ولما كانت زيارته حوالي التاسعة صباحا،
فقد احترس بقوله إنه لا يفطر إلا على كأس
من الحليب وتفاحة واحدة. لكني حرصت على
تقديم طبق الشكشوكة )بيض بالطماطم(،
إضافة إلى وجبته من التفاح والحليب. وقال لي
ولأخي مرتضى الذي حضر الزيارة إنه يرى أن
الاقتصار على التفاح في الصباح مع كأس من
الحليب يحفظ الجسم صحيحا سليما. أو نحو
هذه العبارة. لم يكن يدري رحمه الله أنه مقدور
على الجسم أن يهوي حسب رواية بعض الصحف
من شرفة شقته من الدور الثاني من عمارة في
باريس في 30 يوليو 2019 م، وأن يأتيه الأجل بعد
ساعات من سقوطه. ثم لما مات كنت في غاية
القلق؛ لأني لن أتمكن من حضور العزاء فيه في
الرياض..
انفرد رحمه الله بالسير التاريخية. لقد كانت
بصمة حياته في حياته. فقد سجل في برنامج
“مؤتمر صحفي” لقاء مع الملك فهد بعد تعيينه
نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء إضافة إلى
منصبه وزيراً للداخلية.
ومثل ذلك لقاء مع الملك سلمان الذي كان أمير
الرياض وقتذاك وفي شبابه ، ويبدو لي -والله
أعلم- أنه غير الاسم من “مؤتمر صحفي” إلى
“شريط الذكريات”، وقام التلفزيون السعودي ببث
هذه المقابلات الرائعة الموثقة لسنوات مهمة من
تاريخ المملكة العربية السعودية المعاصر. وفيها
تسجيلات مع رجال عصرنا منهم الأمير فهد بن
محمد بن عبدالرحمن، والأمير عبدالله الفيصل،
والأمير سعود بن هذلول أمير القصيم من عام
1389 -1378 ه وحمد الجاسر، وأحمد قنديل
الشاعر الحجازي الظريف، وأحمد محمد صالح
باعشن، رجل الأعمال الشهير بمدينة جدة. ومع
الشاعر طاهر زمخشري، صاحب القصيدة
الشهيرة:
أهيم بروحي على الرابية
وعند المطاف في المروتين
كما أجرى مقابلة شريط الذكريات مع الأمير
مساعد بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود وزير
المالية في عهد الملك فيصل، وعبد الله بلخير
المسؤول الإعلامي في عهد الملك سعود، وخالد
الفرج الشاعر الكويتي. وذكّرَنا ببيت الشعر
الحكيم لخالد الفرج الذي قال فيه رحمه الله:
من حُلقت لحية جارٍ له
فليسكب الماء على لحيته
وأخرج سير علية القوم في كتب لطيفة
الحجم، ومنها سيرة الأستاذ إبراهيم العنقري،
وزير الإعلام الأسبق، والشيخ حمد الجاسر.
وفي محاضرة عن الشيخ عبدالله بلخير قال
الدكتور الشبيلي:
“ولا يغيب عن الذهن أن عبدالله بلخير الذي
بدأ نجمه في الظهور في العقد الأخير من عهد
الملك عبدالعزيز في مجال الترجمة، واستماع
الأنباء، ومتابعة ما ينشر ضمن قائمة راصدي
الأخبار والمترجمين، ومن خال الاقتراب
تدريجيا من ولي العهد الأمير سعود، قد أصبح
با منازع رجل الإعام الأول للملك سعود،
وكان الناطق باسمه أحيانا، وربما عقد بعض
المؤتمرات الصحفية عندما كان مرافقا له في
رحلاته الخارجية “.
وقد جمع في أسلوبه بين المعلومة والتحليل
المحايد حتى لا أقول الجاف في تناوله
للشخصيات. وقد هاتفته عندما كتب عن الدكتور
محمد عبده يماني بعد وفاته. وكأنه لمس مني
عدم الرضا عن المقال، وهو الذي عايش الرجل
وعاصره في فترة توزيره. فقال لي أنتم في
الحجاز تتناولون الأمور من جانب عاطفي!
وهذه فقرة مما كتبه د. الشبيلي:
“خرج الدكتور يماني عن المألوف في إدارته
للعمل الإعلامي، ومارس )الشطارة( في التعامل
مع كثير من القناعات التقليدية السائدة. فنجح
في بعض مغامراته فيها. ولعل في مقدمة أمثلة
ذلك رفع حاجب السرية عن أخبار مجلس
الوزراء، ساعده في ذلك خفة روحه وطاوة
حديثه وجسارته في الاقتراب من مجلس الملك
وديوانه، وهو أي الاقتراب ميزة لم يحظ بها سوى
عبدالله بلخير في عهد الملك سعود، الذي كان
يقسم وقته بين عمله في الديوان وعمله في
الإعلام”.
وقبل سنوات كنت في الرياض، ولما علم
الدكتور أبو طلال بوجودي طلب مني زيارته في
منزله. وتوجهت مع أخي أحمد إلى لزيارة أبي
طلال في منزله.
وقد حزنت عليه وشعرت بقلق بالغ أني لن
أتمكن من العزاء شخصيا فيه. فطلبت من أخي
أحمد أن يذهب للعزاء. فكانت زيارة بعد مماته
رحمه الله وليست بكافية. لكني سأعوضها
بالدعاء له وقراءة الفاتحة على روحه رحمه الله.
واعتقد أن القرآن بنية وصول ثوابه إلى المتوفى
يصل إليه.. يصل إليه مهما شكك متشككون.