الشبيلي وحكاياته الذاتية التي خطها في سيرته الذاتية )مشيناها( والتي صدرها
بالبيتين الآتيين:
مشيناها خطىً كُتبت علينا ومن كُتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيّته بأرضٍ فليس يموت في أرضٍ سواها
أن تكتب عن نفسك ليس أمرًا يسيرًا، وأنت تعلم تماما أن هناك من يتابعك في
حياتك.. فكيف حين تغادر الدنيا وتترك خلفك سيرة تحمل مسيرة مختلفة، وهذا
ما حدث مع الإعامي الكاتب عبدالرّحمن الصّالح الشّبيلي، صاحب السيرة الذاتية
والتي صدرت طبعتها الأولى في صفر 1440 ه/ ،» مشيناها.. حكايات ذات « : السعودية
نوفمبر ٢٠١٨م، وتوشّح غلافُها بشكل مميز بصورة عميقة لها دلالة مختلفة، وهي صورة
وهو معلم تراثي أشبه ببرج المراقبة ومقصورة الحماية، يتجاوز عمره مئة ،» الصّنقر «
سنة، وفي عام ١٤٠٧ه شُيّد عليه مركز ابن صالح الثّقافي.
ولك أن تدرك كيف لرجل مثله أن يتخيّر
تلك الصورة عمدًا، ولا يمكن أن تكون سهوا
أمام رجل بعظمة تفكيره وصلابة رأيه.
يتكون هذا الكتاب السيروي المؤلم في
مسيرة إبداعية مختلفة من مقدّمة، ثمّ
ثمانية أقسام، وبعدها كشّاف عام، فملحق
صور، وتعريف مختصر بالمؤلف. وكأنه كان
يرسم لنفسه طريقا يعرف أنه يمشيه، وأنه
سينتهي عنده. وحده عبدالرحمن الشبيلي
الرجل القويّ الخطوة، البارع في الإعلام،
المتمرّد وقت الغضب، عرف مشي الخُطى،
فثبت نفسه على شرفة في باريس لتهوي
به وتعيده إلى مسقط رأسه، حيث تراب
الوطن الذي سيحتضنه.
وحين تخطو أول خطوة لتمشي داخل
الكتاب، تجدك تتعرف على الفترة الزمنية
التي قضاها وهو يدوّنه، فقد أشار إلى أنّه
قضى سنة ونصف السنة وهو يرسم بقلبه
وقلمه هذه الذّكريات؛ ابتداء من رمضان
عام ١٤٣٨ ه، وحرص على ألّ يكون سرديًا
عاديا، فالتّفرّد سمة جميلة تستحق العناء،
وبما أن حياته مجبولة بالعناء والتعب.. حقه
أن يرسمها في سيرة مختلفة لا شبيه لها؛
لأنه كان متفردًا ولا شبيه لطريقته وأسلوبه،
فجاء كتابه من طراز مختلف بين الرّواية
والسّيرة
أخَذَنَا بلغةٍ غريبةٍ بعيدة المدى إلى
زاوية الرواية حينًا، وهو يتفنّن في وصف
سردي أشبه بسيروائية الكاتب الذي يبني
نصه بينه وبين نفسه خطوة خطوة، منذ ان
بدأها في وصف مراحل النّشأة والتّكوين،
وجعلنا نستعرض المكان في عنيزة مسقط
قلبه وهوى حياته وأنفاسها، ونعيش معه
ذكريات الوالدين والإخوة، وكيف كان رقيقا
وهو يصف فاطمة، والدته الجميلة القلب،
رقيقة الحسّ، وأنت تقرأ تشعر وكأنك
تعرفها تمامًا، ومع أنّ والدته قدِمت إلى
عنيزة من بيئة اسطنبوليّة مختلفة، إلّ إنّها
استطاعت الاندماج مع عنيزة في لهجتها
وعاداتها، ومطبخها، وأنواع تمورها، بل
وفي أنساب الأسرة ومصاهراتها، حتى
حفظت رثاء زوجها لزوجته الأولى التي
توفيت سنة الرّحمة عام ١٣٣٧ ه بقصيدة
تقع في نحو مئة بيت.
وتسير مرحلة الحياة به وهو لا يفارق
عنيزة، وهو يتحدث عن مسيرته أبداً؛ فهي
البؤرة التي تسوق كل الأحداث وكل أسباب
نجاحه، ويصف عنيزة التي تحب هؤلاء
الحرفيين من أهل البلد، ويتغزّل بنشاط
سوق المسوكف، وتطوّع أهله لقراءة البريد
وإيصاله، وخلع الضّروس وتجبير الكسور،
وكتابة الوثائق والصّكوك، وإطراب العابرين
بالقصيد والمِلَح، ثم يصف ناديًا للأخبار
وبخاصّة من القادمين بالطّائرة من الرّياض
وجدّة إلى مطار عنيزة المحلي القديم، الذي
يعمل به موظف واحد؛ فيحجز التّذاكر،
ويوجه الطّائرات للهبوط والإقلاع، كل ذلك
في لغة سينمائية مشهدية معبّرة مختلفة.
ولم يغب عنه أبدًا الحديث عن العمل
التّطوعي في عنيزة، وعن العمل التطوعي
المبكر، وإصلاح بعض الطّرق، ومتابعة تبرّع
الوزير عبدالله السّليمان الحمدان بمشروع
سقيا الماء، وغير ذلك. وهذا الاهتمام
المبكر يفسّر لنا بروز أهل عنيزة في مجال
الأعمال المجتمعيّة والخيريّة والتّطوعيّة.
ولم يتغافل عن المرأة أبداً، كيف ذلك
وهو يدور حول أمه التي عاشت لتربيتهم
على الرغم من اختلاف تربيتها، وذكر أسماء
نساء من عنيزة تزوجهن الملك عبدالعزيز،
والملك سعود، وهنّ من كبار عوائل البلدة،
كما أشاد بخمس عشرة معلّمة من نساء
عنيزة صيَّرْن بيوتهنّ كتاتيب لتعليم الفتيات
قبل بداية التّعليم النّظامي؛ ومن الطّبيعي
أن يكثر الحديث عن المرأة في سيرة رجل
عاش قسمًا من عمره في عالم الإعام
والثّقافة.
وتسير كثيرا داخل تلك المسيرة المميزة
ليُحدثك عن تخرجه في كلية الّلغة العربيّة
الذي كان سببا لدخوله إلى عالم الإذاعة،
ثمّ الإعام المرئي والمكتوب، ثم تولى
مهمّة تسجيل خطاب العرش بعد العصر
في قصر الملك فيصل بالمِعذر في ٢٧
جمادى الآخرة سنة ١٣٨٤ ه بحضور الأمير
سلطان، والشّيخ محمّد النّويصر، ود. رشاد
فرعون، ود. كنعان الخطيب، ثمّ طار إلى
جدّة لإذاعته ليلً مع نشرة الأخبار.
ثم تقطعك اللهفة للمتابعة بألمٍ ووجع مع
مأساة وفاة ابنه طلال، بعد معاناة طويلة
غريبة التّسلسل مع المرض، ليقف هناك
متأثرًا بعبارات تبكي وأنت تقرأها.
ثم يعود بك سريعًا الى أهم مراحل العمر
التي كانت مع التّوثيق والتّأليف، علمًا أنّه
كتب بعد بلوغه الأربعين جُلّ إنتاجه، فكان
بعيدًا عن الأغراض الوظيفية ومتطلبات
التّرقية، وليس له أرباح مادية؛ لكنّ لذة
العلم لا يعدلها شيء، وبخاصة بعد أن
منحته عضوية الشّورى مزيدًا من الوقت
للبحث والقراءة، فالتفت لمكتبته المنزلية
ليعمرها.ثمّ تحدث عن كتبه المطبوعة وهي
كثيرة، وذكر قصة تأليف أغلبها التي تعود
إلى كتابة مقال أو إلقاء محاضرة، والكثير
من الأوجاع التي يبثها هنا أو هناك في ثنايا
كتابه.
وأنت تغلق آخر صفحات الكتاب تسمع
بكل ألم صوته الأجش الضخم بمخارج
حروف متميزة لم يعتليها العجز أو كبر
السن، وتتخيل أنه ينعي نفسه في آخر
صفحات كتابه، فتظهر هناك كلمات مؤلمة:
تنعي أسرتا الشبيلي وأبا الخيل في «
مناطق المملكة فقيدها الغالي الدكتور
عبدالرحمن الصالح العبدالله الشبيلي،
داعين الله جل شأنه أن يتولاه بإحسانه
وعفوه ورحمته، ويجعل ما أصابه رفعة
»… لدرجاته ويسكنه عليين
وحدها تلك الكلمات التي صدرت عن
أسرته هزّت الإعلامي بين نافٍ ومؤيدٍ وداعٍ
ومتألمٍ وباكٍ عليه، ليس تمردًا على الموت،
بل خوفًا من تصديق الخبر في لحظة
يتمسك بها الإنسان بتراثه وأصالته، وهذا
الرجل أصالة التاريخ الإعلامي السعودي.