جوار وجوار


وغادر دنيانا أبو طلال الدكتور عبدالرحمن الشبيلي إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالإنجاز والمآثر الحميدة – رحمه الله.
غادر أبو طلال دنيانا التي نخطب ودها:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها
شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها
أبكت غدا، بعدًا لها من دار
غادرنا بعد خطى واثقة وعزيمة رائدة قضاها لتشكيل شخصيته النبيلة بالعلم والإرادة إعداداً لمستقبله وخدمة وطنه في الإعلام والجامعة والشورى ومرافق الحياة بطيب نفس وأريحية لا يملكها إلا المؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والذين جبلوا على تقديم المبادرات الحسنة بدافع إنساني وإيمان صادق أسوة بمن لا يريد من وراء ذلك جزاءً ولا شكوراً وقد عزز مسيرته خلق كريم وأصالة كريمة، مما وهبه مكانة بين الناس ورزقاً حسناً يستحقه.
لم أسعد بصحبة الرجل، وكنت أظنه صعب الرفقة، بل كنت أحسبه من أولئك الإعلاميين الذين يتلونون بتلون الأحداث والاتجاهات.
ومن تتبع آثاره الإعلامية تبين لي صدق محتوى ما يطرح وجلاء الحقائق دون زيف أو مبالغة، ثم عرفت من أعرف من أصدقائه وزملائه ومرؤوسيه في العمل ممن تربطني بهم صداقة أو علاقة فأكبرت ما عرفت عن الرجل وتمنيت صحبته، ولم يمهل أمر الله لأحظى بذلك فغادر حياتنا إلى جوار ربه فتمثلت بقول الشاعر:
جاورت أعدائي وجاور ربه
شتان بين جواره وجواري
ثم قرأت ما كتب عن وفاة ابنه طلال – رحمه الله- كتابة مؤمن بالقدر، مستسلم لقضاء الله، ولم يكن متبرماً من الفقد الأليم، بل كان على يقين بأن الخير فيما اختاره الله، ذلك خلق المؤمن. وتساءلت عن سبب غياب المبالغة في الحزن التي يستدر بها غيره من المكلومين عواطف الآخرين لتعظيم المآساة التي هي في الحقيقة مصير كل الأحياء، وربما يكون فيها خير كبير للراحل والمقيم.
ثم أهداني – رحمه الله- كتابه «مشيناها» فكانت إشادته فيه بسواه أكثر من تحدثه عن نفسه، ذلك أن «وكل مكان ينبت الطيب طيب».
غادر دنيانا أبو طلال – رحمه الله- بعد أن أدى دوراً مشرفاً لخدمة وطنه، وبعد أن ترك ذكريات يعطر المجالس ترديدها لما فيها من نقاء وصفاء وقدوة واقتداء بسير المخلصين والأوفياء. ولو أردت ذكر نماذج من سيرته العطرة لما اتسع المجال لذلك ولكنني أكتفي بذكر أبيات من شعر صديقه الشاعر عبدالقادر كمال من قصيدة طويلة عن دارة الشبيلي التي أنشأها أبو طلال – رحمه الله- لتكون ملتقى الأصدقاء.
أبو طلال الذي عمت فضائله
وفاض منها معين قط ما نفدا
إذا تحدث أصغينا لحكمته
وإن تفضِّل صحب ردهم رشدا
ومرجعيتنا في كل معضلة
يزيح من كرب المجهود ما جهدا
مشى حثيثاً على هدي وتبصرة
سيراً دؤوباً إلى العلياء مجتهدا
وفي الكتاب «مشيناها» نرى شعلا
تهدي السراة لدرب واضح وهدى
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه وصحبه الصبر والسلوان.

عبدالرحيم الاحمدي - مجلة اليمامة