د.عبدالرحمن الشبيلي قيمة انسانية خالصة


كانت أيام الأسبوع المنصرم تمور بالخبر والشائعة والحقيقة؛ فمنذ أن فوجئ محبو الراحل مؤرخ الإعلام السعودي د.عبدالرحمن الصالح الشبيليّ بما وافاه في شقته بباريس حتى فاجعة فقده، والمتابع في ذهول تامّ لا يبدده سوى حسن الظن بالرحمن الرحيم، وما أعدّه لعباده المؤمنين من نعيم مقيم.
لقد أنبت أبو طلال بخلاله الحميدة، وسريرته النقية، وسيرته العطرة حدائق ذات بهجة من الأدب الرفيع، والدأب الخالص، ولطف التعامل، والوصل الاجتماعيّ، والإسهام العلميّ، والإنجاز الفكريّ، والأثر الثقافيّ، والرقيّ الحضاريّ، ولسنا مبالغين إذا قلنا: إنه مشروع وطنيّ، أو أنموذج للمواطن الحيّ الذي يستشعر مسؤوليته في مختلف الصُّعُد.
فعلى المستوى الشخصيّ والبعد التكوينيّ وما قضّاه في رحلة تعليمية مزدوجة يكاد يكون من النادرين، وعلى المستوى العمليّ وما حقّقه في الإعلام والتعليم العالي والقيادة الإدارية والريادة في عضوية مجلس الشورى يكاد يكون من الثلة المخلصين الذين تركوا أثرًا، وكانت لهم بصمة فيما وَلُوا أو تقلّدوا، وعلى المستوى الاجتماعيّ: الوسط (الأسرة) أو المحيط (المجتمع)؛ فيكاد يكون سويداء النبض لما كان يخفق في ضميره من عرى الوصل والبرّ والإحسان، ولما كان يحمله دائمًا -رغم مشاغله وعلوّ سنّه بعدُ وما لقيه قلبه المكلوم من نوائب- من حرص شديد على توثيق أواصر المحبة والإخاء حتى بات له في كل مكان قلب نابض بحبه مثلما كان لكلٍّ في قلبه مكان.
د.عبدالرحمن الشبيليّ تقبل على وجه من وجوه سيرته؛ فتطالعك وجوه أخرى؛ لأنه إنسانٌ خالص الإنسانيّة؛ فإذا أقبلت على سيرته العلمية لحظت الوفاء والكياسة وسداد الرأي الذي جعله يجمع بين رأيي أبيه وأخيه الأكبر في أن يدرس في آنٍ التعليم العام النظاميّ ويواصل في المعهد العلميّ، وإن تدبّرت ترحّله العمليّ أبصرت خلال الدأب ونفاذ الرؤية وحسن الرويّة في اتخاذ الآراء والتماس ما يحفظ الودّ ويقيم أود الذات في صمت مهيب وموقف عالٍ مقدّر، وإن تأمّلت حياته الاجتماعيّة ألفيت إنسانيّةً باهيةً حلمًا وتواضعًا ونبلًا وسخاءً وإيثارًا وإنكار ذات يثير خشية من حوله عليه من فرط ما يجدون من تفانٍ يقتات من صحته ووقته وتفكيره…
في خضم ذلك كله كان للدكتور عبدالرحمن الشبيليّ حضوره الفاعل وإسهامه البيّن في مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية؛ فهو عضو مجلس أمنائها، واللجنة العلميّة، والإشراف الماليّ، ولا نبوح بسرّ إذا قيل: إنه مستشار خاص لدقائق الأمور التي تحتاج إلى خبرته وكياسته وحسن سياسته في إدارة ما هو دقيق أو حساس؛ فهو ذو نظرة دبلوماسيّة تفكيرًا وصياغة وتدبيرًا يدرك كل مقام، ويستشرف بثاقب نظره مآلات ما قد ينجم عن مثل ذاك التصرف، أو تلك المفردة، أو ذاك الموقف؛ لذا كان كثيرًا ما يفتح الأذهان على مشكل محتمل، أو مآل غير محمود، وما كان ذاك لولا خبرته ومراسه التواصليّ ورهافة حسّه وحسن ذوقه بعد توفيق الله له وتسديده.
وهو إذ يبدي رأيًا، أو يسدد مأخذًا ليسوق ذاك بأدب ولطف وتواضع جمّ؛ حيث يعرض ولا يفرض، ويفاضل بين ما يقول وما يسمع من غير استحسان رأيه واستهجان ما عداه، بل تراه من لباقته يجعل الرأيين فرسي رهان بين الفاضل والأفضل؛ مقدّرًا ما ينتهي إليه رأي الجميع؛ مستصحبًا دائمًا رأي إخوانه حتى إنه لتكاد تكون لازمة من لوازم استشاراته أن يختم رأيه باقتراح آخرين يستشارون فيما يُعرض عليه، وهذا لعمري غاية الحكمة والأدب والتواضع وأداء الأمانة.
ولعل من يتصفّح إصدارات مركز حمد الجاسر الثقافيّ؛ مصطفيًا ما صدر بمراجعة وتعليق وعناية من الراحل د.عبدالرحمن الشبيليّ مثل هذه الإصدارات المتوالية: «دراسات وبحوث في تاريخ الملك عبدالعزيز»، «من أحاديث السير والتراجم»، «في الرثاء وسير المرثيّين»؛ إضافة إلى ما نهد إليه تصنيفًا وتأليفًا من نوع: «عنيزة وأهلها في تراث حمد الجاسر»؛ يدرك بجلاء ما يبذله الراحل من جهد في التنقيب والاستقراء، وعناية بالمادة العلمية، وحسن توظيف يشفّ عن عمق تفكير، ومعايشة لهذه المادة، ومصابرة في سبيل استخلاص القيم العلميّة بمنظور منهجيّ رصين.
إن رصد هذا الحضور الإداريّ، والإسهام العلميّ للراحل في مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثّقافيّة يجيء في كفة، وحضوره البهيّ مجلسَ الشيخ حمد الجاسر «دارة العرب» في كفة أخرى؛ فكم محاضرةٍ ألقاها، وندوةٍ أدارها، أو سعى إلى استضافتها؛ فضلًا عن مداخلاته الثرية؛ ممّا تندّ عن الحصر، ولا سبيل إلى إدراك ذلك كله إلا بمراجعة موقع المركز الشّبكيّ، أو قناته على (اليوتيوب)، أو حسابه في (تويتر)؛ للاطّلاع على قيّم طروحاته، وباذخ إداراته، وقد كان المركز قاب قوسين أو أدنى أن يشفع محاضرته «حمد الجاسر مجدّدًا في كتابة التاريخ: كتاب الملك عبدالعزيز أنموذجًا» التي أفضلَ بتقديمها الموسم المنصرم بمناسبة اليوم الوطنيّ ١٤٤٠هـ؛ حيث أبدى خلال مراسلاته المتواصلة مع المركز إبّان هذا الصيف حين إعداد لقاءات الموسم الثقافيّ القادم ١٤٤١هـ لـ«دارة العرب»؛ مجيبًا استشارة المركز في ترشيح الضيف بقوله -رحمه الله-: «لو تطلبون مقترحات من الإخوان، ثم أخبركم بما لديّ.»، ثم أمهل مدّة؛ ليردف بقوله: «محاضرة مقترحة ليوم السبت 21 سبتمبر:(المؤرخ الفرنسي بنوا ميشان يكتب سيرة الملك عبدالعزيز وخليفتيه سعود وفيصل، وتحليل الشيخ الجاسر لكتاباته). المحاضر: عبدالرحمن الشبيلي»، ثم يبادر خاتمًا: «مع رجاء طلب ترشيحات أخرى من بقية الأعضاء.»؛ فلا تدري هل تدرك أدب الاستشارة بلا إيثار نفس، أم دأب إنجاح الموسم الثقافيّ الجاري إعداده! كما لا تدري كيف يستحضر المناسبة والمقام والفائدة العلمية على نحو ما نظَم به أطروحته العام المنصرم، وما كان يعتزمه الموسم المقبل؛ إذ ينتخب موضوعًا ملائمًا المناسبة، وموائمًا المقام «دارة العرب»؛ ليفي بكلّ حقّ، ويظهر حضور المؤسسة ورائدها في مثل هذه المناسبة الوطنيّة الأثير.
ولئن كان الحديث موصولًا عمّا أسداه د.عبدالرحمن الشبيليّ لمؤسسة حمد الجاسر الثّقافيّة؛ والسياق مفتوحًا عن مراسلاته مع المركز هذا الصيف؛ فإن الحق ليملي البوح بما كان يعكف عليه في باريس منتجعه الصيفيّ؛ حيث نالت مراسلات الشيخ حمد الجاسر -رحمهما الله- جلّ اهتمامه، ولا غرو في ذلك؛ فقد كانت فكرة إصدارها من بنات أفكاره التي تقدم بها إلى اللجنة العلمية في المؤسسة؛ فحظيت بالمباركة والقبول، وخُطّ لها منهج وإطار؛ فنهد المركز إلى استكمال المادّة المختارة في ضوء ذلك، ودفعها باطمئنان إلى عناية الراحل؛ لتنال نصيبها مراجعة وتعليقًا، وقد كان شطر من ذلك؛ إذ يقول الراحل خلال المراسلات الجارية هذا الصيف: «مساء الخير…أعكف في باريس على رسائل الشيخ لعله يجهز قبيل عودتي بمشيئة الله.»، ثم يردف الإجابة بمقترح: «كنا فكّرنا بتسجيل السوانح بصوتي ثم تعثّرت، ألا يمكن البحث عن جهة تتبنّى الفكرة؟»؛ فلا تدري أي الدأبين تنظر!
ولمكانة الراحل في قلوب محبّيه خصّ له مركز حمد الجاسر العدد التاسع من «الخميسية» استكتب فيه عديدًا من أصحاب المعالي والسعادة، وثلّة من المثقفين والأدباء الذين عبّروا بصدق عمّا هو أهل له، ويعتزم المركز في هذا الصدد تنظيم ندوة سيريّة عن الراحل لا لتفي بحقّه، بل لتكون شاهدًا على عِظم ذلك، وأنّى لبحر طويل مديد أن يُحدّ!
إنّ اشتغال الراحل في تأريخ الإعلام والأعلام، وتوثيق السير والتراجم أتاح له العيش حيوات كثيرة في تجارب عديدة مثلما سنح للآخرين الإطلالة على هذا العالم الفسيح من القيم والمعرفة؛ فبات في العيون رسمه، وفي العقول اسمه، وفي القلوب وسمه.
رحم المولى أبا طلال، وتغمّده بواسع رحمته؛ فقد فقدنا قيمة إنسانية نادرة ندرة الإنسان خالص الإنسانيّة.

مركز حمد الجاسر - مجلة اليمامة - 8 أغسطس 2019