تعود بي الذاكرة إلى لقائي الأول بالراحل د.عبدالرحمن بن صالح الشبيليّ -رحمه الله- حين الاحتفاء بتدشين كتابه عن السفير محمد الحمد الشبيليّ الذي ينبض بالنبل والوفاء واللطف.
وعرفته عن قرب حين قام مع ثلّة من الرجال المخلصين بتأسيس مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الخيرية (الثقافية)؛ فكان الحاضر الفاعل دائمًا لا على مستوى عضويّته في مجلس الأمناء، أو اللجنتين: التنفيذية والعلمية اللتين تعنيان بالشأن الإداريّ والسير العلمي، بل في أدق تفاصيل أعمال المؤسسة ومجرياتها؛ فقد كان ذا رأي وتوجيه لما يعرض من أمور، أو يستجدّ من أعمال تستلزم حيالها الحكمة والحنكة؛ إضافة إلى مواظبته التامة على حضور مجلس الشيخ حمد الجاسر «دارة العرب»، والإسهام في تقديم المحاضرات، أو إدارة الندوات؛ فضلًا عن الإثراء بالأسئلة والمداخلات.
لأبي طلال -رحمه الله- أيادٍ بيضاء؛ فقد اعتنى بأهم إصدارات المركز ككتاب «من سوانح الذكريات» كما صدر بمراجعته كل من: «دراسات وبحوث في تاريخ الملك عبدالعزيز »، «من أحاديث السير والتراجم»، «في الرثاء وسير المرثيّين»، بل تكفل على حسابه الخاص بطباعة كتاب: «عنيزة وأهلها في تراث حمد الجاسر».
ربما عرف الناس أبا طلال مذيعًا ومقدمًا، ومؤرخًا للإعلام، ومسؤولًا مرموقًا لحضوره اللافت في ذلك غير أن من دنا إليه أدرك فيه خلال الإنسانية، وقيمًا من المشاعر الفيّاضة، ونبلًا نادرًا مع رجاحة عقل، ورزانة منطق، وصدق في القول والفعل لا يقبل الزيف؛ فإذا قصدته لإبداء رأي أو إسداء توجيه لقيت فيه سداد الرأي وإخلاص النظر مع رفق ولين.
ولقد صحبته في أسفار عديدة إلى حضرموت، ولبنان وتركيا، وجورجيا، وروسيا، وفرنسا؛ فكان نعم الرفيق والأنيس الذي لا يُملّ من منادمته؛ ففي حديثه تجد الأدب واللطف وحسن الأداء، وفي استماعه تأنس التوقير والاحترام، وهو في الحوار مدرسة أدبية راقية من حيث الدقة في اختيار المفردة، وحسن الإنصات، والانصراف عن كل ما يكدّر جوّ الحوار؛ فهو ذو سمْت جمع مع الأدب الفطنة والكياسة.
حديثي عن أبي طلال يقصر دون ما تكنّ له النفس من إجلال وتقدير؛ إذ لم نفتقد عالمًا أو مؤرخًا وحسب، بل افتقدنا إنسانًا يأسرك بجميل حضوره وجليل شخصيته، وعزاؤنا ما شهدنا من توافد المصلين، وتشييع جنازته؛ فقد حلّ في القلوب، وإن رحل عن الدنيا.
رحم الله أبا طلال، وأسكنه فسيح جنته، و(إنّا لله وإنّا إليه راجعون).
رحم الله أبا طلال ذا الانسانية والادب والكياسة
معن الجاسر - مجلة اليمامة - 08/8/2019