رسالةٌ من تلميذٍ لِمُعَلِّمِه


التقيت بالمرحوم الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الشبيلي عام 1401 ه، كنت وقتها طالبا
في جامعة الملك سعود، أدرس الإعلام، إذ درّسنا في ذلك الوقت مادة الإعلام السعودي، وكان
وقتها وكيلا لوزارة التعليم العالي. ومنذ اللحظة الأولى التي دخل علينا في المحاضرة
أسرنا بلطفه وأخلاقه الراقية، وهو يتحدث معنا بكل لطف واحترام وبصوته الخافت؛ فكنا
نستغرب كيف لهذه القامة الكبيرة في الإعام والتعليم أن يتحدث مع طلاب سنة أولى
جامعة بهذا التواضع، وصرنا نشتاق لمحاضرته وهو يسرد لنا قصة الإعام السعودي
وقصته هو مع هذا الإعام، وعمله بالتلفزيون قبل أن يُبتعث لنيل شهادة الدكتوراه في
الإعلام، ويصبح أول دكتور سعودي في هذا المجال. كنت أرى فيه المنهج الذي يتحدث من
قلب التجربة وتحديات العلم. لقد كانت علاقتي في بدايتها هي علاقة طالب بأستاذه الذي
يعدّه أنموذجًا له، واستمرت حتى أصبحت علاقة صداقة وأخوّة

الفَقْدُ أمرٌ قاسٍ يغرب النفس ويتغرب بها،
شيء لا يستقر في وطن، ولا يسكن مع الأهل
والأصحاب؛ فغياب الشبيلي بهذه القسوة
على محبيه أمر جلل؛ إلا أن الراحل الجميل
يستعصي على هذا الغياب، فحضوره قصة
بناء لا تنتهي عند عمر أو تغيب بموت، فهذا
المشوار الطويل من الإبداع والجهد والتعب
أنتج جمالاً أبدياً. فالراحل له باعٌ طويل في
هذا الحقل من خال عمله في التلفزيون،
وأصبح مديراً عامًا له، ومن خلال بصماته
التي تركها على هذا الجهاز قبل انتقاله
لوزارة التعليم العالي والعمل فيها، وفي
المجالين كانت له بصمات واضحة جداً؛ ما
جعل الجميع يثني عليه. لقد تعززت العلاقة
بيني وبين الشبيلي يرحمه الله من خلال
مركز عبدالرحمن السديري الثقافي، فقد
كان حاضراً في فعالياته الثقافية، سواء في
الجوف والغاط، وكذلك مشاركته في الإشراف
على كتاب سيرة عبدالرحمن السديري أمير
منطقة الجوف )الأسبق(، وتقديمه لهذا
الكتاب. لقد كان صديقاً للجميع، ومستمعًا
جيداً لكل الآراء خلال الفعاليات التي يشارك
فيها.
كان اللقاء المؤثر الذي جمعني بأستاذي
القدير في عام 2008 م وضمن فعاليات قمة
أوبك الثالثة في الرياض، فقد طلب مني
صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن
سلمان بن عبدالعزيز، وزير الطاقة، إدارة
فعاليات البرامج المصاحبة للقمة، وكان
البرنامج يتضمن دعوة عدد من الأشخاص
المعروفين من كل دولة من دول منظمة أوبك،
سواء كانوا وزراء سابقين أم أمناء سابقين
للمنظمة أم رؤساء تحرير، لزيارة مختلف
مناطق المملكة قبل انعقاد القمة بأسبوع

وبعدها يحضرون القمة، وفكرة الأمير
عبدالعزيز هو أن يتعرفوا على ثقافة المملكة
وتاريخها وتطورها، وإطلاعهم على كيفية
استثمار دخل البترول في تنمية الدولة. وكان
من ضمن الأشخاص الذين يمثلون المملكة
د. عبدالرحمن الشبيلي إضافة إلى عدد
من زملائه: د. عبدالله العسكر رحمه الله،
والدكتور يزيد العوهلي، ود. محمد الجفري
رحمه الله، ود. إحسان أبو حليقة، والدكتورة
نورة اليوسف، والأستاذ منير العكاس، وكان
لوجود د. عبدالرحمن الشبيلي الأثر الكبير
في نجاح مهمتنا في الجولة على مناطق
المملكة، كما أنه كان من ضمن الذين أسهموا
في وضع ذلك البرنامج. لقد كان يمثل الأخ
الكبير للجميع في تلك الرحلة، يشجعنا في
عملنا خلالها، يُثني على الجميع ويتحاور مع
الضيوف ومع الزملاء القائمين على البرنامج،
حرصا منه على نجاحنا ونجاح الوطن.
واستمرت اللقاءات مع أستاذنا القدير
المرحوم عبدالرحمن الشبيلي من خلال
مؤلفاته التي يرسلها لنا، ولقاءاته في النادي
الأدبي، وفي كل المناسبات التي يتاح لنا
حضورها ويكون هو طرفاً فيها.
مَن ينظر ويقرأ سيرته وتاريخه يقف
حائراً أمام قدرته على العمل المتواصل
في كل المناشط؛ عندما كان رئيس مجلس
إدارة مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة
والنشر، وكذلك عندما كان عضواً في مجلس
الشورى.. كان محاوراً بارعاً، ومبادراً للعمل
من أجل المواطن، لقد كان مخزنا للفكر..
فألّف عشرات الكتب في الإعام والثقافة،
وألقى عشرات بل مئات المحاضرات في
مختلف مناطق المملكة؛ فهو في الحقيقة
بالنسبة للمتخصصين في الإعام مدرسة
إعلامية تجمع بين الأكاديمية والمهنية، وله
تأثير كبير جداً في تاريخ الإعلام السعودي
تدريساً وتأريخاً، فقد كان متعاوناً مع قسم
الإعام في جامعة الملك سعود في الوقت
الذي كان القسم في أمسّ الحاجة لمثل
خبراته، فلم يبخل بعلمه ومعرفته، لقد كان
صادقاً في تقديمه للمعلومة؛ ما جعله صاحب
سيرة ملهِمة، فلم تتوقف سيرته عند الجانب
المهني والأكاديمي، بل امتدت إلى الجانب
الإنساني؛ إذ كان عضواً فاعلاً في جمعية
ألزهايمر وغيرها من الجمعيات ذات الطابع
الإنساني، فلقد سطّر أروع معاني الوفاء
عندما أصرَّ على إقامة عزاء الأستاذ ماجد
الشبل رحمه الله في منزله. فلا غرابة أن
يحصل الراحل على وسام الملك عبدالعزيز
من الدرجة الأولى.
وختاما: ترك لنا الراحل نحو ) 23( مؤلفاً
بين السير الذاتية والعلم المتخصص، نتاج
عشرات السنين، رصد فيها الراحل مسيرة
وطن وقيادة وشعب )حكاية وطن خلق وجوده
واستقراره( حتى أصبحت مؤلفات الشبيلي
رحمه الله أعلاماً وإعلاماً من الوطن وإلى
الوطن

 

د. علي بن دبكل العنزي - مجلة الجوبة - العدد 65