في وداع أبي طلال .. محبوك كانوا هناك


هو ــ بحق، وفيما قَلّ ودَلّ ــ كما وصفه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للفضاء مؤسس ورئيس مؤسسة التراث الخيرية (وطني مخلص لثقافة وتاريخ بلاده طوال حياته، وإعلامي متميز أثرى الساحة الثقافية والإعلامية، وإضافة إلى ما عرف عنه من اهتمام بالتراث الوطني، فهو موثق للتاريخ الشفهي للمملكة).

لقد كان الراحل الدكتور عبدالرحمن الشبيلي، رحمه الله، أحد “التنويريين”  الرواد من أبناء المملكة، ذلك الجيل الذي أخذ على عاتقه “ترسيخ” الثقافة الوطنية، ونشرها، وتعميقها بين أبناء المملكة، كما أخذ على عاتقه إحياء التراث الوطني، وتاريخ المملكة بين الأجيال الجديدة من السعوديين.

الأمير سلطان يضيف أيضا: “سمعت من سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان – يحفظه الله- ثناءه على الدكتور عبدالرحمن، ووصفه للراحل بأنه من رجال الدولة المخلصين، ورأيته منذ وقت مبكر حاضراً في مجلس الملك سلمان، ولم أره يوماً في غير حضور ذهني ملفت وأدب في الحوار وعناية بالمظهر والمخبر حتى بات يعرف به بين عامة الناس”.

جمع الأمير سلطان بن سلمان أبرز ملامح الراحل الكبير، وأهم سمات شخصيته الفذّة، في كلمات قليلة، كما قدم لنا رأيَ خادم الحرمين الشريفين ورؤيتَه لأبناء الوطن المخلصين، ممثّلة في عبدالرحمن الشبيلي.. ولذلك كله، ولسمات وخصائص وخصال الراحل الكبير، استحق حب الجميع، وأجمع الكل على احترامه وتقديره، ونظر الجميع إليه من زوايا متعدّدة، لنرى كم كان عبدالرحمن الشبيلي مُخلصا لوطنه، مُخلصا لقيادة بلاده، مُحبا لأبناء هذا الوطن، حريصا على “هويّته” وثقافته الوطنية.

من هنا، استحق محبة الجميع وتقديرهم لإخلاصه وعطائه لوطنه، واحترام مسيرة كفاحه ونجاحه في كافة المجالات التي أبلى فيها بلاء حسنا.

كان الشبيلي مدرسة إعلامية وعلامة فارقة في تاريخ الإعلام السعودي، كما كان علامة مهمة في التأريخ للإعلام السعودي، وتوثيق محطاته المختلفة، إذ ساهم خلال نصف قرن في تأسيس صناعة الإعلام في السعودية، مساهما في إنشاء الإذاعة والتليفزيون، ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، بل كان إعلاميا “في الميدان”، نزل إلى العمل في أرض التليفزيون، وقدم الكثير من البرامج التي استحوذت على إعجاب مشاهدي التليفزيون، ومستمعي الإذاعة، وحظيت كلها ــ على تنوع مجالاتها، وتعدد ثقافات جمهورها، وتباين أذواقهم وميولهم ــ بإعجاب الجميع.

أثرى الدكتور الشبيلي بعمله المنتظم المشهد الثقافي والإعلامي، وأولى التوثيق عناية خاصة، وبرع منذ بدايات اشتغاله بالعمل التليفزيوني في الشهادات الشفاهية وتدوين التاريخ باستنطاق شهوده، وترك لأجيال ممتدة من السعوديين إرثا كبيرا مما قام به في توثيق صفحات من تاريخ بلاده، كما ترك للجميع إرثاً عظيماً من لقاءاته مع قادة الدولة ورجالاتها.

فقد أجرى الكثير من اللقاءات والمقابلات والأحاديث، على رأسها: مقابلات تلفزيونية نادرة مع كبار قادة البلاد الذين أسهموا في بناء البلاد، ومع شخصيات رفيعة المستوى ساهمت في تأسيس المملكة، فحاور الأمير “الملك” فهد بن عبدالعزيز، والأمير نايف بن عبدالعزيز، والأمير “الملك” سلمان بن عبدالعزيز، وغيرهم كثير.

كانت برامجه التليفزيونية من أكثر البرامج التليفزيونية شُهرة، وأكثرَها استحواذا على اهتمام المشاهدين، وسجّلت نسبة عالية من المشاهدة والإقبال الجماهيري الواسع، ومن أكثرها بقاء إلى اليوم في ذاكرة المشاهدين، لقاؤه التليفزيوني بالملك سلمان عندما كان أميراً للرياض، مروراً بلقاءات مهمة في برنامجه “شريط الذكريات” مع الأمير مساعد بن عبدالرحمن وسعود بن هذلول ومع الأمير خالد بن أحمد السديري رحمهم الله وغيرهم الكثير.

ولما ترجل عن العمل الحكومي، تفرغ لتوثيق سير أعلام الإعلام، فكتب ما يزيد على خمسين كتاباً، ختمها بتوثيق سيرته الذاتية، قبيل أشهر من رحيله، بكتاب «مشيناها.. حكايات ذات».

كان الراحل الكبير أحد أبرز موثقي الإعلام، ويرى كثير من زملائه الإعلاميين والأكاديميين وتلامذته في المجالين أنه رحمه الله نذر عمره لخدمة الإعلام السعودي، ومفاصل التنمية والثقافة بالمملكة العربية السعودية.

رحم الله أبا طلال.

كان اللغويُّ المتمكِّنُ والإعلاميُّ الشَّهير، والمقالي الهادفُ، والمؤرخُ الراصدُ، والوطنيُّ المخلصُ، وهو حصيلةُ موهبةٍ أصيلةٍ وطموحٍ علميٍّ وأدبٍ معرفيٍّ وخبرةٍ حياتيِّةٍ مليئة بالتجارب الغنية.

ولعل من الصَّعب أنْ نختزلَ كلَّ مناقبِ الفقيدِ، مهما حاولنا، فهو رائدٌ في كلِّ المجالاتِ، زاخرُ العطاءاتِ، متنوِّعُ الإبداعات، عالجَ قضايا الإنسان من منطلق الوطنيِّة والإيمان.

ولا يختلف اثنان ممن عرفوه على أن الراحل الكبير قد اجتمعت فيه صفات قلما تجتمع في إنسان: دماثة الخلق، والتواضع، ونظافة اللسان، والثقافة الواسعة، وسرعة الاندماج مع الآخرين وخدمتهم ومجاملتهم، حتى إن كان ذلك على حساب وقته وصحته.

ويرى كبار مفكرينا ومثقفينا وأدبائنا وإعلاميينا ــ يشاركهم الرأي كبار الأكاديميين الذين عرفوه ــ أنه رحمه الله كان مدرسة بأخلاقه ونبله وتواضعه الجم، وكان لطيفاً متواضعاً شديد الإصغاء لا يقطع حديث محدثه، يجذب محدثه بحسن سماعه ولا يتكلم إلا إذا إنتهى محدثه من حديثه، كما كان بشوشاً في حديثه صاحب طرفة نادرة.

وفي رثائه، كتب كبار المفكرين والأكاديميين والإعلاميين والمثقفين السعوديين: طُوبَى لأبي طلال، ألَّف وصنَّف وبحثَ ودقَّقَ، فرحلَ عنَّا مخلِّفاً بين ظهرانينا ما ينفعُ الناسَ ويُكسبُه الأجرَ والحمد.

كانت كلماتُه ضوءاً يُنير للناس طرقاتهم إلى العلم والثقافة والمعرفة، ويدل الناس إلى  دروب الهُويّة، ويرشدهم إلى معالم الثقافة الوطنية.

“هنيئاً لك أبا طلال ولكل مَن يُعلِّق القناديلَ ليضيءَ بها الدُّروبَ للآخرين”. هكذا كتب في رثائه بعضُ أصدقائه المخلصين، وهم كثير.

ولقد نعاه بحزن وأسى وبإحساس عميق بفداحة الخسارة، عشراتٌ من الكتاب والإعلاميين، واحتشدت في ذلك كافة الصحف والكثير من برامج الإذاعة والتليفزيون، حديثاً عن دور “أبو طلال”، وعطائه الثقافي والإعلامي والأكاديمي،   لتؤكّد أن المملكة فقدت برحيله عموداً من أعمدة الثقافة والكلمة، ورأى بعضُ الأقلام أن البلاد “فقدت برحيله نخلة نجدية شامخة عشقت أرضها وتراثها”، وقد كان أديباً خلوقاً ومثقفاً متواضعاً وإعلامياً شغوفاً.

لذلك، لم يكن غريبا أن يشهد موقع مقبرته ــ لحظة أن ووري جثمانُه التراب ــ حضورا طاغيا وحشدا كبيرا من المشيعين، من الأدباء والمثقفين والإعلاميين وغيرهم من المواطنين الذين حرصوا على توديعه، رغم حَر الصيف اللاهب.

كلهم كانوا هناك، عند مقبرته، يشهدون على صدق أدائه في محبة بلاده، انتماء لوطنه، وولاء لقادته، وعشقاً لتاريخ بلاده وهويته، ما يعكس محبة الناس للرجل، الذي نسأل الله ان يجعلهم جميعا من شهود الصدق له يوم الشهادة.

قصي البدران - مجلة الاقتصاد - 1/10/2019