فقدنا وفقد وطننا، الأمير بندر، نعم، وتأثرنا بفقده وغيابه، ولكنْ عزاؤنا أننا تعلمنا نهجه الرائع كمواطن أمين، قبل أن يكون أميراً أو ابناً للمؤسس أو شقيقاً للملك، كان درسُ حياته المؤثر بكل أياديه البيضاء وقلبه الطيب وعطائه المخلص، هو كيف تكون مواطناً حقيقياً وفياً للأرض قبل المنصب، وداعماً لمعاني الأخوة قبل الجاه والسلطان، وناصحاً أميناً غير باحث عن دور أو ضوء..

للشاعر بدر بن عبدالمحسن مكانة في قلبي، خاصة عندما يكتب كلماته بمداد من القلب، هذا الشاعر “كومة”من الوفاء والصدق والحب للوطن، أمام هذه المشاعر توقفت عند كلماته الأخيرة عن الرجل الخيّر عمه بندر بن عبدالعزيز – رحمة الله عليه – دعونا نقرأ سوياً:

يا طاهر الروح والوجدان والسيرة

جزاك عند الذي ما خاب طلابه

لو التقى والورع له موطن وديره

لقيت بندر صخر سوره وأبوابه

صلى العصر، ما نسي ركعه وتكبيره

ثم ابتسم لأمر خلاقه وهلابه

بهذه الأبيات الرائعة، جسد الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن قمة مشاعره الجياشة في رثاء عمه الأمير بندر بن عبدالعزيز – الذي انتقل إلى رحمة الله قبل أيام – معبراً بكلماته الراقية عن حجم مصاب الوطن في فقيده الكبير، الذي لم يكن مجرد أحد الأشبال الميامين لموحد الجزيرة ومؤسس مملكتها الحديثة الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – ولكنه كان قامة وطنية بامتياز، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سامية.

صحيح أنه – رحمه الله – لم يتولَّ أي منصب رسمي طيلة مسيرته العملية، ومع ذلك فقد كان سحابة خير تمشي على الأرض، وتظلل الجميع بدفء مشاعرها وصدق عطائها وإخلاص منبعها.. وربما كانت اللقطات الأخيرة له في الفيديو الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل رحيله بأيام، حينما زاره أخوه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو ينحني تجاه أخيه الأكبر ليتلقى منه آخر وصية دعاه فيها إلى “طاعة الله في السر والعلن، والحرص على الإسلام والمسلمين”، ليرد عليه الملك سلمان بـ”نحن عند حسن ظنك ونحن دولة قامت على الإسلام”.

كلماته الأخيرة – رحمه الله – نموذج لنوعية هذه الشخصية الفذة المخلصة والمتواضعة، التي جسدت بسيرتها الطيبة خاتمة مسيرة أكثر طيبة، ظلت لعقود الداعم المخلص، والناصح الأمين، والمتابع ثاقب النظرة وحكيم الرؤية الزاهد في عرض الدنيا، والحريص فقط على خدمة وطنه وتقديم النصح لأشقائه وأسرته، بعيداً عن أية أضواء، ومكتفياً فقط بتجسيد معاني الآباء المؤسسين والأبناء الداعمين لهذا الكيان السعودي الكبير.

فقدنا وفقد وطننا، الأمير بندر، نعم، وتأثرنا بفقده وغيابه، ولكنْ عزاؤنا أننا تعلمنا نهجه الرائع كمواطن أمين، قبل أن يكون أميراً أو ابناً للمؤسس أو شقيقاً للملك، كان درسُ حياته المؤثر بكل أياديه البيضاء وقلبه الطيب وعطائه المخلص، هو كيف تكون مواطناً حقيقياً وفياً للأرض قبل المنصب، وداعماً لمعاني الأخوة قبل الجاه والسلطان، وناصحاً أميناً غير باحث عن دور أو ضوء.

رحم الله الأمير بندر بن عبدالعزيز، وأجزل له الثواب في مرقده الطيب وآخرته.. وعزاؤنا جميعاً لقيادتنا وأسرته وكل شعبنا المخلص والوفي.


إضاءة:

وعندك يا أبا طلال ماذا أقول؟!

ولأن مسلسل الفقد لا ينتهي، كان رحيل الأستاذ والصديق والمعلم، الدكتور عبدالرحمن الشبيلي موجعاً هو الآخر؛ لأننا بفقده خسرنا أحد رموز إعلامنا السعودي، الذين أثمرت رحلتهم الطويلة مع الإعلام المسموع والمرئي والمقروء، عشرات الكتب والمحاضرات المطبوعة في تاريخ الإعلام وسير الأعلام بالمملكة.

ومن أبرزها: “نحو إعلام أفضل”، “الإعلام في المملكة العربية السعودية”، “إعلام وأعلام”، “الملك عبدالعزيز والإعلام”.

عبر مسؤولياته المتعددة، من مدير عام التلفزيون السعودي، إلى وكيل وزارة الإعلام، وأستاذ في جامعة الملك سعود، كما كان عضواً لسنوات في مجلس الشورى، والمجلس الأعلى للإعلام.. إضافة إلى توليه رئاسة مجلس أمناء الشركة السعودية للأبحاث والنشر، ومجلس إدارة مؤسسة الجزيرة الصحافية، وإسهامه في تأسيس إذاعة وتلفزيون الرياض العام 1965.. كانت استحقاقاته عن جدارة، سواء من جائزتي الملك سلمان لخدمة التاريخ الشفوي وتوثيقه وبحوث الجزيرة العربية، أو وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في الدورة 31 للمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) تجسيداً لتكريم يليق بشخصية ستظل سيرتها لعقود نبراساً ووقوداً لأجيال عديدة.

سيظل رمز الإعلام السعودي الراحل ضمن أوائل قائمة الشرف الوطني الذين أفاضوا في العطاء وأخلصوا من أجله، لذا استحقوا كل هذا التقدير في حياتهم والتكريم بعد مماتهم.