حصافة القضاء ورصانة الشورى


في عالم اليوم، أناس نعرفهم بسيماهم، يعزفون عن بهرجة الأضواء، فلا تستطيع الوصول إليهم ولو حرصت، وآخرون لا يتزاور الوهج عنهم ذات اليمين ولا يُقرضهم ذات الشِمال، يتجاذبونه إلى أنفسهم، ويتعلّقون بشظاياه، وما يدرون أنهم قد يحترقون بها، أكثر مما يستضيئون.
والشيخ الفائز، الذي افتقده ديوانا القضاء والشورى في السعوديّة يوم أول من أمس، بعد غيبوبة دامت بضعة أشهر، لم يغب خلالها عن مشاعر أحبابه، كان من «عجينة» متوارية عن الشهرة والأضواء، ولا يجيد فنّ تصدّر المحافل، فهو يشقى به، ويُتعب ميوله واهتماماتِه.
شخصيّة قضائيّة فذّة، لا تختزن قواعد المعلومات عنه سوى رؤوس أقلام، من تاريخ ميلاده الذي لا يزيّفه (1940) في بيئة تخرّج فيها في القرن الماضي، مع ما فيها من شظف العيش وشقاء الحياة، ثلّة من علماء الشريعة، وكان الفائز واحداً منهم، نموذجاً في السعي لطلب العلم، ومثالاً للعصاميّة والاصطبار، فكان بين مسقط رأسه (المذنب في جنوب القصيم) ومنازل أسرته (شمال غربي إقليم الوشم وقاعدته شقراء) يتردّد في صغره جيئةً وذهاباً، إما على قدميه أو على الراحلة، كي يوفّق بين منزل والدته ومقر دراسته، وبقي طيلة حياته (77 عاماً) وفيّاً لعهد السنين، شغوفاً بحبّ الديار، يأنس بصورها، ويتردّد عليها متى سنحت له فرص الحياة، لا ينافس تلك المرابع عنده سوى بقاع الحرمين الشريفين.
ومع أنه سار في سلّم التعليم الجامعي الحديث بكل مدارجه، فإنه يكنّ لمشايخه التقليديّين؛ عبد الله بن حميد وعبد العزيز بن باز وصالح الحصيّن ذكرى التبجيل والاحترام.
قضى حياته في منأى عن التباهي والكِبْر، متدرّجاً بهدوء في مراتب القضاء ورئاسة ديوان المظالم وعضويّة مجلس الشورى، وعندما انتهى منها، عاد إلى منزله متفرّغاً للقراءة والبحث والتبتّل واجتماعيّات الأحباب، وتكريس الجهد لإصلاح ذات البين بين الفُرَقاء، مترسّماً في مسيرة حياته خطى شيخه العالم المستنير محمد بن جبير، وزير العدل ورئيس الشورى الأسبق.
عرفه عشرات من زملائه في القضاء وفِي الشورى، ومن جلسائه في علاقاته الاجتماعيّة، فوجدوه في كل موقع ومناسبة، تزداد المعرفة به إجلالاً ووثوقاً، وما ألْفوه يوماً مدّعياً لعلم، أو مترفّعاً بفوقيّة، أو متشدّقاً بفتيا، أو حتى متقدّماً لإمامة صلاة، فهو خرّيج مدرسة لا يُسجّل فيها ولا يتخرّج إِلَّا الأشدّاء من الرجال، الأقوياء على أنفسهم، مدرسةٍ ليست لأصول الفقه ولا لمبادئ العلوم والفلسفة فحسب، بل مدرسةٌ في أصول الأخلاق، وأكرم بها من مدرسة، وحسبك بها من دبلوم امتياز.
وهو ينحدر من بيت برز فيه أكثر من شاعر، فكان من الصعوبة على عارفيه أن يكسبوا منه اعترافاً بنظمه فضلاً عن روايته، وكانت الرجاءات وسيلة الظفر بأبيات من ابنه الشيخ فيصل، رثى بها أباه يقول منها:
بكيت بدمع العين، لو ينفع البكا
وأصدرت آهات تهزّ الجوامدا
إنه نموذج تواضع العلماء الكبار، وقدوة ذوي الأنفس العزيزة، ومثال الواثقين من أنفسهم، الذين لا يبيعون الذمّة، ولا يبتذلون الكرامة، فعاش كريماً ورحل على ذلك.
*إعلامي وباحث سعودي